المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مهيب نصر  Headshot

الأخلاق وقواعد اللعبة!

تم النشر: تم التحديث:

ما إن تُصاب أمّة من الأمم بجحمةٍ وبليةٍ في شأنٍ من شؤونها إلا تداعت صرعى في شؤونها الأخرى، فلا تجد لها من قامةٍ سياسية، ولا هامةٍ اقتصادية، ولا منقبةٍ أخلاقية، ولا وعي ديني ولا إنصاف تاريخي ولا تحقيق يُغالب الباطل ويتصف بالحقيقة، فسادٌ ينخرها من الزاوية إلى الزاوية، كما ينخر الدود الجماجم.

في خضم ذلك كله لن تسمع صوتاً سوى صوتٍ يشابه نقيق العلاجم، إذ البحر هادئ والرُبان في وحل المآتي، ذلكم الرُبان الذي كان تقياً نقياً كعمر بن عبدالعزيز، فكانت الرعية كذلك، تتبادل أطراف الحديث عن الصوم والصلاة والعدل والورع ومخافة الجبار، أو كذلك الرُبان الذي كان عاشقاً طرباً كسليمان بن عبد الملك، فكانت الرعية تُعدد الجواري وتُمايز بهن، فتُباع كل واحدة منهن على حسب حجم ساقها، فإن كان نحيفا بُخس سعرها، وإن كان عريضا زاد سعرها، أو كذلكم الرُبان الذي شيّد وبنى كهشام بن عبد الملك، فكان حديث الرعية عن العقار والاكتراء.

من خيط ذلكم التاريخ نستمد المسار أياً كان نوعه ومتغيره، ومنه على حجم تشعّثه واغبراره نتحدث عن دماثة الأخلاق والمآثل الأصيلة الناصعة، إلى قواعد اللعبة؛ واسعة الذمم، التي أضحت فرضاً دنيوياً محضاً في يوم الناس هذا إلا من رُحم.
من لم يركب مراكبها غرق وتهاوى كالقش في يوم ريحٍ باردة، فبها يُجتذب المراد، ويصِل من خلالها المرء إلى رُتب القدادسة وإن كان للأبالسة أقرب.

فإذا ما وجدت من كذب عليك في أمرٍ من الأمور، وعند التقائك به لم يظهر لك أسفه أو يُكْسَر منك طرفه بما ينم عن الحراجة؛ وبما يوحي إليك اعترافه عن اقترافه، فاعلم أنه متورط في قواعد اللعبة.
وإذا ما وجدت من وعدك وخلف ذلكم الوعد، ورزقت لقاءه! بعد ذلك دون أن يشُعرك بتأسفه أو يُبدي لك تحسره، فهو متورطٌ في قواعد اللعبة متأتيا في مهالكها.
وإذا ما أكرمت أحدهم دونما سابقة ولا لاحقة، ووجدت منه عدم رضى وكأن طلبه منك تفضلًا عليك، فقد تدنّى في استعمال قواعد اللعبة حتى القاع.
وإذا ما رأيت تظافر الغالب في مجتمعك في امتداح النجاح على ظهرٍ عارٍ وواقعة مستقذرة، فامتشع ذاتك منهم وانتهج غير سبيلهم، ففي قواعد اللعبة سقطوا.

وإذا ما رأيت من يواكب المصالح دونما رادعٍ أو مانع، ويدعي الإصلاح بعد ذلك وقبله، فقد اتخذ ذلك السبيل دونما تراجع، فلم يجد غير ذلك واقعاً في واقع العُربان، فولغ في قواعد اللعبة وانطمر في براثنها.

هتاماتٌ منزورة على مستوى الأفراد ومدى تورطهم في مواكبة المحدثات القيمية الجديدة المنافية للأخلاق والقيم الأصيلة، يُقاس عليها الكثير من التدهور المعاملاتي المنحط، بعد أن شاهدنا ونشاهد دخانها الكثيف الأسود يكاد يُغطي مساحة ما بقي من سُلالة القيم ومناقب الأصالة.
هذا الانقلاب في الجوهر؛ ليس مستبعداً أن يصبح؛ إن لم يك اليوم كذلك؛ جوهر الجوهر، مما أدى ويؤدي ببعض المتورطين في مستنقعه إلى استنقاص الآخر واستهباله؛ الآخر الذي لا يجيد ذلكم العبث المُصادم للشخصية الوازنة، التي تأنف اعتجان ذاتها بتلكم الطينة المنتنة.
هذا ما يجعل الصراع دامياً بين واقعٍ مقلوب وفطرةٍ نقية مصطفاه، تُعاني غربتها واغتراب الناس عن الله!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.