المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مهند عبد الفتاح Headshot

الدولة المصرية: أوراق يوغي.. نظريات مؤامرة.. وحالات قمع على الهامش

تم النشر: تم التحديث:

أتذكر حينما كنت في المرحلة الابتدائية، انتشرت في هذا الوقت أوراق لعب تسمى أوراق "يوغي"، أوراق لعب من نوع جديد، مطبوع على كل ورقة صورة وحش أسطوري، ومسجل بأسفله عدد نقاط قوته الهجومية والدفاعية، ولا أعتقد أن هناك أحداً في جيلي لم يسمع عنها.

أتذكر أنه في تلك الفترة انتشرت تلك الأوراق في مدرستي بشكل غير طبيعي، الجميع يحملها، الجميع ينفق أمواله لشرائها، الجميع يتباهى بها، الجميع يستعرضها، ولما كنت أحد كبار رواد نادي عشاق الأكسجين ومعاديَ نادي ثاني أكسيد الكربون، أمارس بنجاح دوري كشخص انطوائي، لا يجيد سوى قراءة المجلات -لم أكن أجيد التفلسف في ذاك الحين- وإضافة إلى حالة العزلة الاجتماعية والثقافية المفروضة عليّ وقتها، من تشفير لجميع قنوات التلفاز الخاصة بالأطفال، فأنا لم تستهوِني تلك الأوراق لسبب بسيط للغاية، هو أنني لم أسمع بالمسلسل الكارتوني الشهير وقتها يوغي يو - Yu-Gi-Oh مصدر تلك اللعبة، ولكن تلك كانت مجرد بداية فقط.

حدث أن ضُبط طالبان يجلسان في نهاية الفصل أثناء الحصة يلعبان بتلك الأوراق وسرعان ما تمت مصادرة تلك الأوراق وبدأت الحملة.

نعم أنت لم تخطئ قراءة العبارة، كانت تلك في الواقع أول حملة أمنية أشاهدها في حياتي، صحيح أنها لم تحتوِ على المعتاد في الحملات الأمنية، كالجنود والضباط والمدرعات، ولكن أي شخص لديه نسبة ضئيلة من القدرة على التحليل سيدرك أن أقل الأشياء أهمية في أي حملة أمنية هو تلك المظاهر.

معلمو التربية الدينية واللغة العربية يطوفون في المدرسة لتوعية الطلاب بخطورة تلك الأوراق وبخطرها على الدين والأخلاق، المدير يقف في الطابور صباحاً بكرشه الضخم الراضي فيه عن نفسه، وبصوته الغليظ يتحدث بكلام لا بد من أنه يعتقد أنه يحمل حكمة السنين "إحنا مش هنسيبهم يسيطروا عليكم".
* عمن يتحدث هذا الشخص؟!
- "انتو كلكم ولادنا".
* حسناً، ما الرابط؟!
- "دي مؤامرة لتدمير عقولكم، واستنزاف أموالكم".
* مؤامرة؟!
- "إحنا هنا كلنا إخوات مسلم ومسيحي أو حتى يهودي".

عند هذا الحد توقفت عن التعقيب على كلامه، في الواقع شردت بذهني بعيداً للغاية، إلى أن أيقظني صوت أحد المتحمسين من شرودي بهتافه "يوغي يوغي يوغي يو.. مش عايزينه قطَّعوه"!

بغض النظر بالطبع عن بذرة التطبيل الصغيرة التي كانت موجودة بداخل هذا الطالب، والتي أفصحت عن نفسها بوضوح في هذا الموقف، فإن هذا الطالب بالذات انطلق في اليوم التالي لشراء أوراق جديدة بدلاً من تلك التي ضحَّى بها في هذا اليوم.

وبالتدريج تنتشر الحملة في أرجاء المدرسة؛ ليقوم الطلاب بتسليم جميع أوراقهم طواعية، ويتم حرقها في طابور الصباح في اليوم التالي في احتفال مهيب، ذكرنى منظره وقتها بمشهد حرق القرابين في الاحتفالات الوثنية.

من حين لآخر وعند متابعتي للوضع السياسي -والوضع الإجمالي العام- أجدني أستدعي تلك القصة تلقائياً؛ لأندهش للغاية من التشابه غير الطبيعي بينها وبين الواقع، ذاك التشابه الذي قد يبدو مضحكاً للوهلة الأولى، ولكنك تكتشف في اللحظة التالية أن الأمر مثيرٌ للشفقة، أكثر منه مثيراً للضحك.

لن أتوقف كثيراً عند تلك الأحداث لأُسقطها بشكل مباشر على الواقع، كما هو متوقع في تلك المقالات، فالواقع في هذه الحالة من التفاهة بذلك المكان الذي يجعل من السهل على طفلٍ ما أن يستنبط منه مواقع الهزل، أو كما يقول البُحتري:

عَليّ نَحْتُ القَوَافي مِنْ مَقَاطِعِها ** وَمَا عَليّ لَهُم أنْ تَفهَمَ البَقَرُ

لن أسُهب ولن أُحلل، ولكنني على مستوى شخصي، أجده أمراً مهيناً للغاية أن تدار حياتنا كلها بنفس أسلوب إدارة مدرسة ابتدائية، يرهبون أطفالها بنظريات المؤامرة والإرهاب المحتمل والجعجعة والصراخ، واللعب على الأوتار الطائفية حيناً، وعلى أوتار حماية الدين والأخلاق حيناً آخر، ثم إنهاء الموقف باعتبار أنهم هم الآباء المنقذون، الذين يعلمون مصلحة هؤلاء الأغرار السذج، أولئك يلقون بأيديهم إلى التهلكة.

وفي النهاية أقول: وَمَا عَليّ لَهُم أنْ تَفهَمَ البَقَرُ.. إطلاقاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.