المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مهند عبد الفتاح Headshot

نستسلم لكي ننتصر!

تم النشر: تم التحديث:

(1)

على مدار مراحل حياتي المختلفة، وجدت نفسي ميالاً أكثر إلى السكون، لست أعشق الصدام بشكل شخصي -وإن كنت أهوي مشاهدته. وأميل دائماً إلى الحل الدبلوماسي في مشاكلي الشخصية إن أمكن، على الرغم من تشجيعي للعديد من أولئك الذين يطلبون مشورتي على الاصطدام الصريح، لتحقيق غاياتهم.

كُنت حقاً متيَّماً بالمشهد التاريخي لإبراهيم عليه السلام، حينما حطّم أصنام قومه، تلك التي كانت تتراءى أمام عيني -بشكلها الصريح- في تابوهات المجتمع.

كنت أعتقدني صدامياً! لفترةٍ ليست بالهينة، كنت أجهر بهذا الاعتقاد، إلى أن اصطدمت بواقع أنه قد زُرع فينا أن نجاحنا لن يكون متحققاً، إلا في حالة أننا قد حطمنا شيئاً، لنبني أمجادنا على أنقاض هذا الحطام. في الواقع ظل الأمر هكذا طويلاً للغاية.

(2)

"يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر على يساري على أن أترك هذا الأمر -حتى يظهره الله أو أهلك فيه- ما تركتُه".

في حصص التربية الإسلامية، كنا نتوقف طويلاً عند تلك العبارة لنتدارسها، ونستنبط منها الدروس العديدة، تلك التي كانت تدور جميعها في فلك الشجاعة التي لا تقلل عُمْرَ أحدٍ، والجبن الذي لا يطيله، والعنترية التي يجب علينا جميعاً أن نتحلّى بها في جميع الأوقات، إلى آخر تلك الدروس.

وعندما تقدم بي الوعيُ قليلاً، قررت في داخلي أن هذه الحادثة لا تستقيم أن تدرَّس منفردةً هكذا، وأنه يجب وضع حادثة أُخرى بجانبها، كي تُفهم على وجهها الأتم.

الحادثة الأخرى التي ارتأيتُ وضعها في السياق هي صلح الحديبية، ذاك الموضوع الذي لم يتقبلْهُ الصحابة أنفسهم في البداية باستثناء الصِدِّيق؛ ذاك أنه لا يتفق مع طابع العنترية العام الذي كان سائداً في شبه الجزيرة العربية وقتها. ولكن، مَن قال إن الإسلام قد أتى للترسيخ للعنترية؟ النبي لم يكن -أبداً- عنترياً أجوف!

واقع الأمر، أن الموقف الأول كان هو فيه في مواجهة عمّه، عمهُ الذي هو منه بمنزلة والده، هل سمعتَ من قبل عن أبٍ سويٍّ يحب ابنه يسلِّمُه لأعدائه، وإن كان الابن مخطئاً؟ نحن نضرب هنا مثالاً بأبٍ عادي، فما بالك بأبي طالب الذي أحبّ الرسول أكثر من أبنائهُ الذين هم من صلبه.
حسناً، أعتقد أن عدة أضواء قد ظهرت الآن.

(3)

عند هبوب العواصف الشديدة، فإن أشد الكائنات تضرراً هي الأشجار السامقة، في حين أن الحشائش القصيرة والأشجار الصغيرة اللينة هي أقلها تضرراً؛ ذاك أنها تنحني مع الرياح، فتمتص صدمتها، ثم تستقيم عائدة إلى وضعها السابق عند هدوء العاصفة، لتجد أن الأشجار الكبيرة قد تأذّت أذىً بالغاً.

برز المثال السابق إلى ذهني، حينما كنت أسترجع تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي، فالواقع أن المثاليْن يكادان يتطابقان، والأمر لا يحتاج حتى إلى عينٍ شديدة الانتباه لتلاحظ ذلك.

فعلى مدار تاريخ اليهود، اعتادوا دائماً أن يكونوا أعشاباً، تزأر جميع العواصف بوجهها فتميل إلى اتجاه آخر: يُضطهدون في مكان فيتركونه ويذهبون إلى غيره.. يُثيرون مشكلةً في مكانٍ آخر، فيتنصلون من المشكلة ويُلقون بالتبعة على شخص آخر. كذلك، فإنهم قد اعتادوا كونهم نائب الرأس في أي مكان يتسيَّدون فيه، وزيراً مثلاً أو ربما مستشاراً لرئيس شركة ما؛ ذاك أنهم أدركوا بالسليقة أنه في حالة الأزمات يُطاح بالرأس، وتبقى الأعشاب المحيطة بها سالمة.

على الجانب الآخر، فقد اعتاد العرب تصدير خطابٍ مليء بالجعجعة والعنترية، يطغى فيه صوت الحناجر على صوت العقل، ويُتهم فيه كل داعٍ للتفكير بالتخاذل، وربما بالخيانة! خطاب يصيح بأنه سيُلقي أعداءهُ في البحر، ليجد نفسه لا يستطيع الوصول إلى هذا البحر في نهاية المطاف.
وأعتقد أنه لا داعي لأن أكمل وصف خطابٍ نحيا يومياً تبعاته المزرية، أو نرى نسخةً أخرى منه للأسف.

(4)

إن كنت تسير في الغابة وحيداً، ثم وقعتْ عيناك على دبٍّ فاستلقِ على الأرض، ولا تُحدِث صوتاً، ولْتَكتمْ أنفاسَك وتظاهر بالموت، وقتها قد تنجو من هذا الدب؛ لأنه سيتأكد ألّا خطر منك؛ بل وربما تعودُ لاصطياده أيضاً.
تذكرت تلك النصيحة حينما كنت أفكر في الفرق بين فعلي give up وsurrender في اللغة الإنكليزية.
في العديد من الأفلام الأجنبية، تجد إحدى الشخصيات تنصح أخرى بالكف عن محاولة يائسة للوصول لنتيجة ما، وقتها تجد الشخصية الأخرى تسألها بلفظ: "!?you are asking me to surrender" هل تطلب مني الاستسلام؟! لتكون الإجابة: "No, Just move on" فقط تجاوَز الأمر.

ومن ثم، حين تعلن الشخصية الأخرى تجاوزها للأمر تقول: "I give up" والذي تترجم بمعنى "أنا أتوقف"، وليس "أنا أستسلم".

قد يبدو ذاك الفرق تافهاً حقاً للعديدين، إلا أن ذاك الاختلاف قد بدا موحياً حقاً بالنسبة لي، فاستسلامك يعني خضوعك بالكامل لخصمك، أما توقفك فيعني أن بإمكانك القيام بفعل آخر لاحقاً بتكتيك مختلف، أو ربما بالتكتيك نفسه، ولكن في وقت أكثر مناسبةً للفعل.
أعتقد أن وجهة نظري الآن قد اتضحت، وأن القادم سيُعدّ نوعاً من تحصيل الحاصل.

(5)

حينما وضعتُ العنوان لم أكن أعني حقاً فكرة الاستسلام الكامل، وإنما كنت أعني الفكرة العامة القائلة بالتوقف للمراجعة، أو تجاوز الموقف، تلك التكتيكات قصيرة المدى التي قد تضمن لك الاستمرار بشكل أكثر قوة لاحقاً.

قد لا يتقبل الجميع الفكرة، وقد يرون حقاً أن فكرة التجاوز قد تعني الانبطاح في قواميسهم؛ بل إني أضمن أن العديد سيهاجمون المبدأ الداعي للتفكير بهذا الشكل من الأساس، وربما يصفون صاحبها بالتقاعس، إلا أن الأهم الذي يعنيني هنا أن تلك الرؤية لم تُبْنَ على أساسٍ اعتباطي، ولكنها بُنيت على استنباطات من الواقع المحيط، الذي لا يفوز فيه إلا أولئك الذين يطبقون قاعدة "لا تكن صُلباً فتُكسر، ولا ليناً فتُقطع"؛ بل أولئك الذين يراوغون، ولا يتوقفون عند الظروف المختلفة المحيطة؛ بل يفكرون في كيفية تغييرها لاحقاً. أولئك الدبلوماسيون الذين يستسلمون -لحظياً- لكي يعلنوا انتصاراتهم الساحقة فيما بعد، أولئك الذين يستطيعون النهوض مجدداً وسط عالمٍ مجنون كعالمنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.