المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد كامل محمد Headshot

ناصر.. يا حرية!!

تم النشر: تم التحديث:

ما زال هناك البعض من جيل من عايشوا عبد الناصر، أو من لحقوا بهم، يقولون: "لن يأتي أحد في مصر مثل عبد الناصر مرة أخرى.. أو مثله".

وأنا أقول: الحمد لله أنه لن يأتي عبد الناصر آخر أو مثله..

حين بدأت حركه 23 يوليو/تموز بقياده اللواء محمد نجيب، كانت أهدافها في البداية إقالة الحكومة آنذاك، وتكليف علي ماهر تشكيل الوزارة، وطرد بعض أفراد الحاشية الملكية، وتعيين محمد نجيب وزيراً للحربية.

تم تكليف علي ماهر باشا تشكيل الوزارة بعد إقالة وزارة الهلالي باشا التي لم يكن قد مضى على تشكيلها يوم واحد، ثم اتصل من قاموا بالانقلاب صباح الثالث والعشرين بالسفير الأميركي لإبلاغ رسالة إلى القوات البريطانية أن الثورة شأن داخلي، وكان واضحاً في البيان الأول للثورة تأكيد حماية ممتلكات الأجانب؛ لضمان عدم تدخل القوات البريطانية إلى جانب القصر.

واصل من ادّعوا الثورة، وسموها ثورة، بعد ذلك اتخاذ خطواتهم نحو السيطرة على الحكم وطرد الملك وأجبروه على التنازل عن العرش لولي عهده ابنه الرضيع أحمد فؤاد، وقد تم ترحيل الملك وأسرته إلى إيطاليا على متن يخت المحروسة.

أي إن كل أهدافهم في البداية "إقالة الحكومة، وتعيين علي ماهر باشا رئيساً للوزارة، وتنازل الملك عن العرش لولي العهد"، ولكن بريق السلطة والمال والقصور والأميرات في عيونهم رفع مطالبهم وطمعوا في السلطة.

كان وزير الحربية في حينها حيدر باشا، الذي عرض على الملك أن يتحرك ببعض فصائل الجيش التي تتبعه ويقضي على هؤلاء الضباط، فرفض الملك؛ لأنه -على حد تعبيره- "مش عايز يتفرج على الجيش وهو بيضرب بعضه"، وعرض عليه مرة أخرى أن يستعين ببعض الطيارات الإنكليزية لتخويف الضباط الأحرار، ولكن الملك رفض عودة الإنجليز مرة أخرى للبلاد.

للعلم، إن القوات الإنكليزية انسحبت من كل مدن مصر بعد معاهدة 1936 وانتهاء الحرب العالميه الثانية، ولم يبق على أرض مصر عسكري إنكليزي واحد إلا عند قناة السويس باعتبارها شركة فرنسية لا تخص الحكومة المصرية، وأنها هناك لتحمي مصالح الإمبراطورية البريطانية. وليس حركة 23 يوليو هي من أخرجت قوات الاحتلال من البلاد.

وكان هذا بيان حركة الضباط الأحرار..
"من اللواء أركان حرب محمد نجيب القائد العام للقوات المسلحة، إلى الشعب المصري، اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم. وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرِضون في هزيمتنا في حرب فلسطين. وأما فترة ما بعد هذه الحرب، فقد تضافرت فيها عوامل الفساد وتآمر الخونة على الجيش وتولى أمره إما جاهل أو خائن أو فاسد؛ حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها.

وعلى ذلك، فقد قمنا بتطهير أنفسنا وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم، ولا بد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب. أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين فهؤلاء لن ينالهم ضرر وسيطلق سراحهم في الوقت المناسب.

وإني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور مجرداً من أية غاية، وأنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ إلى أعمال التخريب أو العنف؛ لأن هذا ليس في صالح مصر، وأن أي عمل من هذا القبيل سيقابَل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال. وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاوناً مع البوليس. وإني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم ويعتبر الجيش نفسه مسؤولاً عنهم، والله ولي التوفيق".

وبعد فترة، قرروا إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية برئاسة محمد نجيب، الذي أعلن استكمال الأحزاب عملها من جديد بعد أن أوقفها مجلس قيادة الثورة والإعداد لانتخابات قادمة؛ ليحكم مصر من يفوز في الانتخابات.

ولكن جمال عبد الناصر وأصدقاءه ازداد طمعهم في السلطة ورفضوا هذا، ورفضوا العودة لثكناتهم بعد أن أقنعهم مصطفى باشا النحاس بهذا؛ لأن مهمتهم قد انتهت.

ونشر أحد الصحفيين مقالاً بأن مصطفى باشا النحاس "ضحك" على الضباط الأحرار وأقنعهم بالعوده للثكنات.

لكن صراعاً على السلطة نشأ بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر، استطاع جمال أن يحسمه إلى صفّه في النهاية، وحدد إقامة محمد نجيب في قصر زينب الوكيل حرم مصطفى النحاس باشا بضاحية المرج (شرق القاهرة) لحين وفاته -توفي محمد نجيب في عهد مبارك، اعتقد كان في سنه 1992. تولى جمال عبد الناصر بعد ذلك حكم مصر من 1954 حتى وفاته عام 1970، واستمد شرعية حكمه من ثورة يوليو التي سموها الثورة بعد أن كانت مجرد "حركة مباركة".

استغربت كثيراً لإحدى الجمل التي وردت في لقاء صحفي سابق لوائل الابراشي مع عبد الحكيم عبد الناصر من عدة سنوات؛ حين تحدث عن فيلم "الكرنك" الذي يعتبره إحدى وسائل السادات لتشويه صورة عبد الناصر، وأنه يشك في أن السادات ضالع في مقتل عبد الناصر.. فأين كنت طول 41 سنة مضت! وهل كان عصر عبد الناصر مثالاً للحرية والشرف..! وماذا عن أفعال عبد الحكيم عامر وشمس بدران وعلي شرف وغيرهم وغيرهم؛ فالقائمة طويلة!

كان هذا لقاء لأحد الضباط "لواء طه زكي"، وهو واحد ممن كانوا يعملون في قسم التسجيلات في عهد عبد الناصر وحتى عهد السادات.

https://www.youtube.com/watch?v=WhXQX...

أذكر جملة لإحسان عبد القدوس عقب خروجه من أول اعتقال له في عهد عبد الناصر بعد أن أمضى "30 يوماً في السجن الحربي"، فقد سبق لإحسان أن تم اعتقاله في أيام الملكية، خرج إحسان من السجن الحربي؛ لأنه كان معزوماً على الإفطار على حد قوله مع جمال عبد الناصر، الذي أخبره بأن الاعتقال كان مجرد "قرصة ودن".

قال إن الـ30 يوم اعتقال في السجن الحربي أسوأ بكثير من كل مرات اعتقاله في عهد الملكية.

أيام عبد الناصر لم يستثنَ أحد من الاعتقالات لمجرد اختلاف الرأي.. كثيرون دافعوا عنه بأنه لم يكن يعلم بما يحدث من اعتقالات وتعذيب وتسجيل وكبت للحريات... إذا كان لا يعلم فهو مغفل ولا يستحق منصبه!

تبنّت الثورة في أيامها الأولى مبادئ رائعة إنسانية.. برّاقة.. وطنية.. عدالة ومساواة وكرامة!

تحالفوا مع الإخوان المسلمين؛ وذلك لتحسين المظهر العام ولإظهار أن "فئات الشعب المختلفة موجودة في قلب رجالات الثورة"، واتجهوا إلى صنّاع السينما الفتيّة وصنعوا أفلاماً أساءت إلى الملك فاروق، أساءوا فيها كثيراً إليه وبها كثيرٌ من المبالغات والمغالطات في حق ملك مصر السابق. وللأسف، أثبتت الأيام والسنوات أن حكم هذا الملك ورجالاته بكل فسادهم أفضل بكثير من وعود الثورة وتبعاتها كما يلى:

قلب المجتمع المصري رأساً على عقب وتأليب الطبقات بعضها على بعض.

تنمية الأحقاد بين طبقات الشعب.

الاستيلاء على أموال الناس العصاميين، وتهريب كنوزهم وكنوز البلد إلى جيوب ضباط الثورة بما فيهم أصاغر الرتب فيها.

إتلاف المصانع وإيقاف عجلة التنمية الفعلية وتأميم القلاع الصناعية، وانظروا إلى ماذا وصلت أحوالها تدريجياً إلى اليوم.

ظهور صناعة الفساد في السينما، وانحدار القيم، وتكريس الفساد والانحلال، ولنقارن بين سينما الأربعينيات مثلاً وسينما الستينيات والسبعينيات وحتى اليوم.

تدمير قدرات الجيش المصري وإدخاله في مغامرات عسكرية صبيانية هنا وهناك دون داعٍ أو عائد، كحرب اليمن التي قُتل فيها جنود مصريون أكثر ممن استُشهدوا في حروب 48 و56 و67 و73 جميعاً.

هزائم عسكرية متلاحقة وإخفاء للحقائق.

صفقات سلاح فاسدة حقيقية لا تُقارن بأيام الملك وعمولات لا تُصدق بأرقام فلكية.

تدمير الإنسان المصري تماماً نفسياً وعقدياً، وإفقار الشعب إلى حدود لم يتصورها أحد، لا في الأربعينيات ولا في الخمسينيات.

إخفاق في شتى المجالات الحياتية، وانعدام الإنتاج الحقيقى للبلاد تماماً.

التبعية الكاملة للجانب الغربي الأميركي، وفقدان لصنع القرار، رغم قولهم غير ذلك.

فشل في السياسة الزراعية، وفشل سياسة الأفدنة الخمسة بعد أن استردها أصحابها بالقانون بعد موت عبد الناصر مباشرة؛ لأنه أعطى من لا يملك لمن لا يقدر على تنمية الأرض ورعايتها، فقد باع الفلاحون الأراضى التي منحها لهم عبد الناصر ومنهم من أخذ عليها رهناً؛ فازداد حال الفلاح سوءاً وتدهوراً.

تدهور سعر صرف الجنيه المصري أمام العملات كافة، اعتباراً من الفترة التي اتُّخذ فيها قرار بيع الغطاء الذهبي للجنيه المصري.

فقدان الإنسان المصري جانباً كبيراً من كرامته داخل بلده وخارجه حتى في أقل الدول منا.

انحدار التعليم والرياضة والصحة والاقتصاد والأمن والأخلاق والتحضر.. إلى آخره، حتى أصبحنا في ذيل قائمة التعليم على مستوى العالم.

لم يتم تحقيق أي مبدأ من مبادئ الثورة، وحتى التأميم وتوزيع الثروة قد أعيد النظر فيهما مرة أخرى في العقود الأخيرة، ليتم توزيع ما تم نهبه من الأمراء والأعيان وما ورثوه عن أهاليهم بعَرقهم ليوزع على زمرة من المنتفعين هنا وهناك، وليتم خصخصة المؤسسات الوطنية العملاقة من جديد؛ لتسليمها لمستثمرين أجانب مرة أخرى كما كان الحال أيام الاحتلال الإنكليزي، ولكن هذه المرة بيعت بأبخس الأسعار.

أصبحت الصناعات الثقيلة من ذكريات التاريخ واستُبدلت بمصانع للشيبسي والشوكولا والسكاكر والمكياجات الرديئة والمياه الغازية العفنة...

حتى تأميم قناة السويس الذي اعتُبر أعظم إنجازات الثورة.. والتي قيل إنها تأممت لأن البنك الدولي رفض تمويل مشروع بناء السد العالي... هل كان قرار تأميم القناه مدروساً أم مجرد حركة ثورية للرد دون اعتبار ما يمكن أن يحدث.

حين تحدثوا عن الأسباب الأخرى للتأميم كانوا يقولون إن الشركه الفرنسية لم تكن تتنتوي تسليم القناة في سنة 69؛ لأنهم كانوا يقومون بتوسيعات وتطوير للقناة.. وفي مرة أخرى، قالوا إن الشركة كانت تحاول تدمير قناة السويس؛ لتسليمها للمصريين شركة خربة لا تصلح للاستخدام.

سببان متناقضان ذُكرا في مواقف مختلفة.. لأن من الواضح أنها كانت مجرد حركة عنترية غير محسوبة العواقب، ولولا العناية الإلهية وبسالة أهل القناة الذين قاوموا العدوان الثلاثي دون أي حركة من الجيش أيامها، وقرارات مجلس الأمن التي أنهت العدوان الثلاثي- لما خرجنا من هذا المأزق حتى يومنا هذا.

وأكبر مثال على سوء هذا العهد وفشله نكسة 67.. فعبد الناصر لم يكن يملك أي معلومات عن تدريب وتسليح الجيش وكان يكتفي بردِّ عبد الحكيم عامر: "برقبتي يا ريس... وهنرمي إسرائيل في البحر"، فكانت الصفعه الأولى العلنية لفشلهم!

وحتى الآن، أستغرب من الشعب المصري الذي خرج ليؤيد قائداً مهزوماً ومدحوراً ويعلن تمسكه به وتأييده لبقائه في الحكم والتراجع عن قرار التنحي رغم الوكسة والنكسة التي حلت بالبلاد!

عبد الناصر كان صاحب كاريزما وقبول لدى الناس لم تتوافر إلا لقليل.. لكنه لم يستخدمها لصالح البلاد؛ فقد كان طامعاً في مجد شخصي وهو زعامة الأمة العربية.

أنا شخصياً من أشد الناقمين عليه وعلى عهده وعلى ما سمى ثورة 23 يوليو/تموز التي أول خطوه في إفساد حياة مصر والمصريين.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.