المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد كامل محمد Headshot

سرقات من نوع آخر!

تم النشر: تم التحديث:

السمة الملحوظة في أي عمل إبداعي أيّاً كان العمل، سينما أو مسلسل أو حتى رواية، كما وصل إليه الحال حالياً.. هي الاستسهال.. بمعنى آخر وأدق.. السرقة!

وسرقة الأفكار لا تقل أهمية عن سرقة الأموال، رغم أننا أصبحنا في مجتمع لا يكفّ حديثه عن حقوق الإبداع والنشر وحقوق المبدعين والناشرين.

ولكن هل أحدهم فكّر للحظة أنها واجبات قبل أن تكون حقوقاً؟

أغلب مَن يقوم بهذه السرقات ينكر أنها مسروقة، ويصر على أنها من إبداعه الخاص، وثمرة عقله ونتيجة مجهود أيام بل وشهور وربما سنوات من التفكير وحرث العقل ونبته.


الأكثر غرابة البقية القليلة التي تعترف بسرقة الأفكار، تصر على أنه اقتباس ولا يصح أن نسميه سرقة، ولا تُظهر مبرراً مُقنعاً لتبرير فعلتها.

فهل أنت عاجز عن التفكير والإبداع وخلق فكرة جديدة؟.. لماذا السرقة؟

والسرقة لم تعد فقط مقتصرة على الفكرة أو الاقتباس في التأليف، بل في التنفيذ أيضاً، باعتبار أن المشاهد غبي أو ساذج، ولا يشاهد أعمال الغرب، كما هم يفعلون، فهم حتى لا يسرقون أفكاراً من أعمال مغمورة أو متوسطة النجاح، بل يسرقون الفكرة الناجحة حتى يجدوا مثل نجاح الفكرة الأصلية.

كما حدث في إعلان برنامج "مفيش مشكلة" من فترة، فمن نفذ الإعلان نفذه كالنسخة الأجنبية بحذافيرها، من جلسة المقدم للإضاءة لحركة الكاميرا، لنبرة صوت المذيع في خلفية الإعلان، لكل شيء، حتى إنني أكاد أشك في أن الجالسين خلف الكاميرا كانوا يقلدون النسخة الغربية!

أحد الممثلين في أحد اللقاءات -بدون ذكر أسماء- رامز جلال حين سألته المذيعة عن أفلامه أنها مقتبسة من أفلام أجنبية، أنكر وقال: يمكن هناك تشابه في جملة أو جملتين أو يمكن مشهد بالكتير!

وهذا لأن الفيلم اتعمل مكس ما بين فيلمين Stranger than Fiction وHitch فأصبح الناتج هو فيلم جديد وقصة جديدة مختلفة تماماً عن الفيلمين الأميركيين.. وهذا من وجهة نظره طبعاً!

من قبل شاهدت إعلان فيلم عنوانه "خانة اليكّ" بمجرد بداية الإعلان عرفت أن قصة الفيلم هي نفس قصة فيلم: Unknown (2006)، من بطولة Jim Caviezel, Greg Kinnear لم يدارِ المخرج في الإعلان حتى عن الفكرة، فأصبح من السهل جداً معرفة النسخة الأصلية من مجرد الإعلان.

وطبعاً المسلسلات والألحان وحتى التوزيع الموسيقي لم تفلت من السرقة.

أصبح من السهل استيراد القطعة الموسيقية "كوبي بيست" ولصق بعض الكلمات الركيكة عليها؛ لتصبح أغنية هيد في السوق المصرية.. يعني بالمعنى الشائع الآن "عبّيله وادّيله".

وطبعاً الموسيقى التصويرية نالها من الحب جانب، ولم تزُغ من يد بعضهم، فالكثير يعتقد أن لا أحد ينتبه إليها، وأكثر ما ضايقني قديماً كانت موسيقى فيلم "ليه خلتني أحبك" فهي نفس موسيقى فيلم Primal fear.

ومسلسل لا أعرف سنة إصداره اسمه "استيفا" صاحب الموسيقى التصويرية كرر نفس موسيقى فيلم "Psycho".

قطعة من أشهر الجمل الموسيقية في تاريخ السينما عموماً!

من عامين أو أكثر تقريباً، أثارت رواية "الفيل الأزرق" لغطاً كبيراً بسبب تشابهها إلى حد ما مع فكرة فيلم The tattooist، ومع بعض أفكار من أفلام أخرى، وليس لأنها أصبحت رواية في السوق المصرية فقط.. بل أكملت طريقها للسينما أيضاً.

وليست هي فقط، هناك كذا رواية أخرى، وأشهرها على الإطلاق "عزازيل" التي نجحت نجاحاً منقطع النظير، حتى إنني عن نفسي أعتبرها من أروع ما كُتب في تاريخ الرواية المصرية، ففيها شبه كبير مع الإطار العام لرواية اسم الوردة لامبيرتو إيكو Der name der rose، كما أن أحداث الروايتين قيل في سياقهما إن ما في الرواية وجد على لفائف بلغة قديمة، قام مترجم بترجمتها، وإن أحداث الرواية لراهب ومعلمة في فترة خلاف بين الكنائس في اسم الوردة بين الفاتيكان والفرانشسكانيين على فقر المسيح، وفي عزازيل بين الكنائس وبعضها على أن المسيح رسول أم ابن الإله، وأن الراهب ارتكب جريمة الزنا في الروايتين وغيرهما.

كما أن هناك تشابهاً يصل إلى حد التطابق بينها وبين ما كتب الإنكليزي تشارلز كينغسلي في عام 1853 في رواية بعنوان "أعداء جدد بوجه قديم"، New Foes with an Old Face والمعروفة أكثر باسم "هيباتيا"، التي ترجمها عزت زكي إلى العربية بعنوان "هايبيشيا" ونشرتها دار الشرق والغرب في الستينيات.

وتتكون شخصياتها الرئيسية من بطل الرواية، وهو راهب من وادي النطرون يسمى فليمون، ومن البابا كيرلس عمود الدين بطريرك الإسكندرية الرابع والعشرين، والفيلسوفة المصرية ذات الأصول اليونانية هيباتيا.

وتدور وقائعها وشخصياتها حول أحداث العنف التي سادت النصف الأول من القرن الخامس الميلادي، وهي الفترة التي تلت إعلان المسيحية ديانة للإمبراطورية الرومانية الرسمية سنة 391 ميلادية، والتي كان فيها البابا كيرلس عمود الدين بطريركاً للإسكندرية.

وهي فكرة يوسف زيدان نفسها، سواء من جهة الشخصيات الرئيسية.. الراهب هيبا والبطريرك وهيباتيا، وتتكلم عن الأحداث نفسها، ولكن كل حسب توجهه وأسلوبه، أي أن زيدان قرأ هذه الرواية واستعان بها وكانت وحيه الأول وإلهامه في كتابة روايته، فأخذ عنها فكرتها الجوهرية وأبطالها الرئيسيين، ولكن ليس حسب التاريخ الحقيقي والوقائع الموثقة، بل حسب فكره هو.

حتى إن الروائي التونسي كمال العيادي قال: المدهش أن التفاصيل والبناء وحتى الحوار منذ بداية الرواية وحتى خروج الراهب هارباً من الإسكندرية منقولة نصاً من رواية كينغسل، فكل من الروايتين متشابهة في كل شيء، الشخوص أنفسهم، الإطار المكاني والزماني والأحداث نفسها، كل شيء في رواية "عزازيل" يطابق رواية "هيباتيا"، لم يزِد عنه إلا المخطوط السرياني الذي أضافه عليها.

كأن الـplagiarism هي أن تنقل الموضوع بحذافيره إنما الفكرة لو غُير فيها بعض الشيء تصبح رواية جديدة ومن تأليفي.

نفس منطق الممثل الذي تكلمت عنه.. من الواضح أنه منطق عام عند الغالبية.

في الأعمال المصرية قديماً، خصوصاً في بداية أي فيلم مأخوذ عن رواية أو فيلم أجنبي يكتب مقتبس عن رواية كذا، كفيلم نهر الحب مثلاً.. وفي معظم الأحيان يكون لهم مبرر لتكرار العمل بنكهة مصرية.

أذكر المخرج حسين كمال حين تحدث عن فيلم حبيبى دائماً، المقتبس عن الفيلم الأجنبي الأشهر love story، أنه قال: حين رأيت الفيلم شعرت ببرودة في مشاعر الممثلين، والفيلم كان في حاجة إلى مشاعر دافئة، وتحدث عن المشهد الذي تعترف فيه البطلة بمرضها لحبيبها، الذي يتقبل الخبر بإيماءة باردة من رأسه، ويكمل بقية الحوار كأن شيئاً لم يكن، أو كأنها أخبرته أنها تحتاج إلى شاي.

حينها وجد أنه لو نفذ الفيلم بطريقته، فإن المشاعر الدافئة للعلاقة بين البطلين ستظهر أكثر ويكون الفيلم له تأثير أكبر على المشاهدين.. وجهة نظر.

أما الآن، هل وصلنا لمرحلة الشلل في الفكر والإبداع لاستسهال السرقة دون حتى بذل مجهود في تحوير الفكرة وتوليد أحداث جديدة؟!

هل الإبداع المصري الذي كان يحرك حركة الفكر في الوطن العربي، وربما أحياناً في العالم الذي حفل بموسيقى عبد الوهاب وفريد الأطرش بمقطوعات إبداعية رائعة دوّنت عليها أسماؤهم وممهرة بتوقيعاتهم عند الغربيين اقتصر على سرقة الأفكار كوبي بيست؟!

هناك أجيال تربت على روايات وكتب إحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ ومصطفى محمود وغيرهم، وأفلام صلاح أبو سيف وفطين عبد الوهاب، وأيضاً الشامل الممثل والمنتج والمخرج أنور وجدي، وطبعاً أغاني وموسيقى عبد الوهاب والأطرش والسنباطي وبليغ وغيرهم كثير.

فما الذي ستتربى عليه الأجيال الحالية التي تكبر على سرقات؟
ما هو التراث الذي سنتركه للأجيال القادمة؟!
ما الذي سنتركه للتاريخ الإبداعي لمصر؟
إننا في مرحلة موت حضارتنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.