المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد صاوي Headshot

عن ضرورة المصالحة "1"

تم النشر: تم التحديث:

- غالباً ما تكون البدايات صعبة، ولعل أصعب ما فيها هو أنك تجهل تماماً نهاية ما بدأت، تتوكأ على آمالك وحماستك، "تأخذ بالأسباب"، ثم ترجو من الله التوفيق، تتصادم بظروف وأحداث محبطة، لكن أيضاً تقابلك لحظات مشجعة تبث فيك شيئاً من الطاقة للاستمرار، ولا شك أن إعادة الشحن ضرورية قبل استنفادها، إذا أضفنا إلى ذلك أنك لا تملك الآليات الكافية لإتمام ما تريد، فإن الأمر يزداد تعقيداً.

في الحديث عن المصالحة صعاب متعددة، فأنت مطالب بتوضيحات كثيرة، وتعريفات أكثر في مواجهة أسئلة لا نهائية، بعضها بغرض الاستعلام ورفع ما يُجهل، والكثير بغرض الاتهام، أو الاستعداد له، ماذا تقصد بالمصالحة؟ مصالحة مع مَن؟ ما هي البنود؟ من أنت أصلاً لتتحدث عنها وأنت لم تواجه أو تصَب بمصائب القوم؟ مَن دسَّك لتعرض الأمر؟.. إلخ، بل إلى ما لا نهاية.

لكنها ضرورة، بل ضرورة الضرورات حالياً، هذا الجنون يجب أن يتوقف، نحن في دائرة من العبث والغفلة والكراهية وهوس الانتقام والقهر والفساد والظلم، دوامة إن لم نُنهِها ستنهينا ونخرج منها مستهلكين ولقمة سائغة للمتربصين المستفيدين من استمرار الوضع على ما هو عليه، وما أكثرهم! والأدهى أنهم بالداخل أكثر ممن هم بالخارج.

كنا نعيب ونسخر من دوائر الثأر بالصعيد، ثم نهلل لمن يستطيع أن يصلح بيع العائلات فيها، ونحيي بشدة أصحاب الثأر حين يقبلون الدية، أو يصفحون عن القاتل، في مشهد يجتمع له أكابر المنطقة، ويعتبره بعضنا نصراً حضارياً للعقل والحكمة، أو حساً دينياً قلَّما يوجد، أما الآن فكأننا نخبرهم بأن ما كانوا فيه كان عين الصواب والعقل.

- خبر: مقتل طفلة ومحامٍ وإصابة ضابط (والد الطفلة) في هجوم مسلح حين عودته من عقيقة أحد معارفه في قرية من قرى محافظة الفيوم.

المؤشرات الزمنية والمكانية تؤدي لاحتمالية العمل الإرهابي باستهداف الضابط (يعمل بالمرور!)، وحسن سيرة الضابط تستبعد الخصومة الثأرية.

لست بحاجة لأن أوضح المصدر أو أن أُنظّر للدلائل، فمن لم يصدقه غالباً يعلم من أمثال هذا الخبر في دائرة قريبة منه، أو ستعمل ماكينة نظرية المؤامرة على توجيهه إلى تحليل مختلف.

- تعددت الكتابات في المسألة، واختلفت في المضمون والجدية باختلاف الأشخاص ودورهم وموقعهم، كتب عنها الدكتور سعد الدين إبراهيم، والدكتور ناجح إبراهيم، والدكتور عمرو الشوبكي، والدكتور جمال البنا، وغيرهم.

العامل المشترك بينهم أنهم ليسوا من أي من الطرفين/الأطراف، لكن ما كتبوه كان محاصراً بين التمني والعرض والتحليل دون فعل جاد (باستثناء ما نسمعه عن مقابلات الدكتور سعد مع الإخوان في تركيا وما ذكر أنه قاله في مجلس الشعب الحالي)، مع التعرض بقدر لا بأس به من الاتهامات والتخوين من طرفي الصراع، أما الأغلبية فينتظرون أن يستسلم أحدهما، ولعل الأكثر يصوب عينه ناحية الإخوان المسلمين في انتظار عرض المصالحة مقابل رفع الضغط الأمني على المسجونين ووقف ملاحقة مَن لم يصبه الدور.

لكن الأمر لن يجدي أبداً إذا سِرنا على هذا المنوال، صحيح أن التوجع والتضرر يبدوان على الجميع الآن، لكن المكابرة والتوحش لا يزالان سيدَي الموقف، وسيظلان إلى أمد ليس بالقريب للأسف، فانتظار أن يعرض طرف المصالحة هو انتظار أن تنهار البلاد ويصل اقتصادها إلى مرحلة اللاعودة حتى يستيقن أنه لا مفر غيرها، لكن للأسف سيكون ذلك على سبيل الندم لا العرض؛ لأن سيف الوقت سيكون قد بتر بترته، في حين صم الجميع آذانهم وكفّوا أعينهم، وأطبق عليهم الصمت، ولن يستفيقوا إلا على النتائج.

- خبر: تصفية خمسة من الإخوان المسلمين في الفيوم بعد مقتل ابنة الضابط (المذكور في الخبر أعلاه) والبيان الأمني يتحدث عن تبادل لإطلاق النار، فيما يتحدث الناس بينهم عن عملية انتقام من الأمن للعملية السابقة.

الأمر لا يحتاج إلى تحليل، الأمور واضحة تماماً!

-التغيير الحاد مدمر الآن، لا بد أن تتحرك الثورة من طورها الحالي إلى مرحلة التطور، انتشار الوعي من أعظم نتائجها، والفوضى الأسوأ، سقف المطالب والمكابرة العالي يتناسب عكسياً مع فرصة نجاحه، في عمليات زرع الأعضاء، يتناول المريض أدوية لإضعاف مناعة الجسم حتى يستجيب للعضو الجديد، يتم هذا في تربص شديد من أمراض كثيرة لأي حالة غفلة عن الرعاية والحرص والمتابعة الصحية المطلوبة، وفي اللحظة المناسبة ينقض فيدمر الجسد في الوقت الذي أردنا أن نحييه، هكذا يسقط في الفخ من يظن أن مجرد التغيير/التعديل/الاستئصال هو قمة الأمر، في حين أنه مجرد أول خطوة حتى وإن كانت الأصعب، هذا الحديث لمن يهوى المواجهات والصراع مع مؤسسات وأجهزة مهما كان فسادها فهي تمثل -في مجموعها- الدولة كجسد وإصلاح/تغيير/استئصال أحد أعضاء هذا الجسد في الوقت الراهن عملية تحتاج إلى حرص وجراحة دقيقة من مهرة وحكماء وقيادة لا نجدها حالياً للأسف.

في إحصائية افتراضية ذكرها الدكتور سعد الدين إبراهيم، فإن مجموع أعضاء الإخوان المسلمين وأسرهم نحو ثلاثة ملايين نفس، هذا إذا تجاهلنا المؤيدين من خارجهم، وأتوقع وصول الرقم إلى خمسة ملايين، هم في تقديري من أيّدوا الدكتور محمد مرسي في المرحلة الأولى من الانتخابات الرئاسية، هذا أيضاً في إطار من لهم حق التصويت، إذاً فالأمر أكبر مما نتصوره ومما تصوره الدكتور سعد، أي عقل هذا الذي يفكر في إقحام هذا الرقم في السجون أو قهرهم وترهيبهم والدفع بهم للهجرة من البلاد؟ أخرج لنا ذلك صورة بائسة وصل التشوه فيها -للأسف- إلى القضاء وإلى التمييز بين دماء جميعها مصرية لا ينتقص منها مهما بلغ الأمر الاعتقاد في رؤية سياسية أو فكرية أو دينية ما، هذا الحديث موجه لمن ظنوا لأرباب نظريات المؤامرة والمخططات ووهم التنمية في أجواء ضبابية سوداء ليس لها كاشفة من دون الله.

جدير بالذكر أن الأمر أيضاً يقتضي سؤالاً آخر وهو: أي عقل هذا يقحم هذا الرقم ويقوده إلى جحيم صراع سياسي وإطلاقهم في مواجهة أجهزة أمنية كانوا يعلمون يقيناً -أو حتى ظناً- أن لا طاقة لهم بها؟

الأمر معقد وسيئ ويحتاج إلى من يميز بين المراجعة والاستسلام، وبين المهادنة والمكابرة، وبين الهزيمة والتضحية في حين كنا نظن أن مثل ذلك لا يختلط على أحد!

قولاً واحداً، لا بد من المصالحة، ولعل الواجب التطرق إلى جميع الأسئلة التي تواجه وتتبع هذا الطرح، متى؟ ومن؟ ولماذا؟ ما البنود/الشروط؟ والأهم هو كيف؟

أما عن السؤال الأول فلا شك أنه يجب أن يكون في أقرب وقت ممكن، وأما عن باقي الأسئلة فيتبع الحديث فيها إن شاء الله تعالى.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.