المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محمود توما Headshot

عزيزي المغترب.. لا تنخدع "1"

تم النشر: تم التحديث:

يقول الإمام الشافعي في فوائد السفر:

تغرَّب عن الأوطان في طلب العلى ** وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفريج هم واكتساب معيشةٍ ** وعلم وآداب وصحبة ماجد

نظراً لما تمر به البلاد العربية من ظروف اقتصادية طاحنة وندرة فرص العمل، أصبح حلماً من أحلام الشباب الآن السفر للخارج، والعمل لكسب قوته، أصبح من مخطط حياتنا كشباب السفر إلى دولة أفضل اقتصادياً للعمل وتحسين مستوى دخلنا المادي، فشباب إفريقيا يهربون إلى مصر ومثيلاتها في المستوى من البلاد، وشباب مصر يهربون لبلاد الخليج، وشباب الخليج يهربون إلى أوروبا وأميركا إلا مَن رحم ربي.

ولكن ما الجدوى من الهروب أو الاغتراب؟ هناك العديد من الأسباب، منها مثلاً الظروف التي تحيط بالشباب، والناحية الاعتمادية، وناحية الصحة النفسية، والعديد من النواحي الأخرى.

ولكن دعنا نتحدث هنا عن الناحية الاقتصادية، فكلنا يعلم الفرق بين الرواتب من بلد إلى آخر داخل الوطن العربي، ولكي نوضح ذلك دعنا نعقد مقارنة بسيطة بين مصر والسعودية، ومصر والكويت، وهنا سوف نتحدث عن وظيفة واحدة كمثال مهندس.

فمثلاً في بلد كالسعودية طبقاً لسلم رواتب الوظائف الهندسية، فإن أول مرتب لمهندس جديد عامل في وظيفة حكومية يبدأ من 7500 ريال (حوالي 2000 دولار) في المستوى الأول، وتبدأ علاوته السنوية من 400 ريال وتنتهي بـ550 ريالاً، وفي الكويت يكون مرتب المهندس حديث التخرج حوالي 1100 دينار كويتي (حوالي 3600 دولار)، أما في مصر فيكون متوسط دخل المهندس حديث التخرج 2000 جنيه مصري (حوالي 300 دولار).

ولكن انتظر فهناك فرق بين رواتب أهل البلد ورواتب الوافدين إليها، وفرق شاسع، فمثلاً في بلد كالسعودية؛ فإن أول مرتب لمهندس جديد يبدأ من 4500 ريال (حوالي 1200 دولار)، وفي الكويت يكون مرتب المهندس حديث التخرج حوالي 400 دينار كويتي (حوالي 1300 دولار).

بلغة الأرقام فهناك فرق واضح بين راتب المقيم والوافد، وهذا الفرق يقترب من الضعف، وهنا نقف لحظات لنعرف هل هذا من الإنصاف؟ كلنا نعترف بضرورة وجود فارق، ولكن ليس لهذا الحد، ولكي يكون هذا الحد مقبولاً دعنا نرى الموضوع من منظور آخر.
غالبية المغتربين يعيشون بمفردهم في الخارج، ويتركون أسرهم في البلد الأم، ليس باختيارهم، ولكن هي ظروف تمليها عليهم ضرورة الحياة، كظروف السكن والمعيشة المرتفعة في البلد الذي يعملون فيه.

إذا أردنا قليلاً من الإنصاف للمغترب، فليكن راتبه كافياً لحياة كريمة مع أسرته في هذا البلد الجديد عليه.
كل يهرب من مستواه إلى مستوى أعلى في العمل فقط، وتستمر حياته في مستواه الأساسي؛ لكي يستطيع أن يحيا.

نذهب إلى شق آخر مهم أيضاً ألا وهو ماذا بعد السفر إلى الخارج؟! كثير منا يفكر في طريقة للسفر إلى الخارج والعمل هناك، ولكن لا يفكر ولا يخطط لما بعد ذلك.

المشكلة الكبيرة التي عايشتها مع أشخاص أعرفهم، هي عدم القدرة على الرجوع مرة أخرى للعمل داخل بلادهم، وذلك لعدم توافر فرص عمل تتناسب مع خبراتهم، وحتى إذا توافرت فرص العمل يكون الراتب متواضعاً جداً بالمقارنة مع الراتب الذي يحصلون عليه هناك، وأحياناً لا يستطيع التعايش في المجتمع لطول فترة غربته.

لذا من الأفضل لكل من يفكر في الاغتراب أن يفكر في عدة أمور، من أهمها أن يخطط لنفسه في السفر لمدة محددة ثم الرجوع لبلده لبدء العمل الخاص به، أو أن يبدأ مشروعه الخاص أثناء وجوده في الخارج، ومن ثم الرجوع لإدارته في مرحلة معينة يحددها الشخص نفسه.

لكن أيضاً لا يمكننا تجاهل المتعة الحقيقية في السفر والتنقل، وإن كان ليس الجميع يتمتع بها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.