المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد بايزيد  Headshot

هجرة السوريين إلى "بلاد الكفّار"!

تم النشر: تم التحديث:

نسمع كثيراً في هذه الأيام تنظيراً حول هجرة المدنيين السوريين خارج بلادهم خصوصاً إلى أوربا أو بلاد "الكفّار" حيث سيخسرون دينهم وأخلاقهم، ونسمع تنظيراً عن جريمة تركهم لبيوتهم المهدّمة (أو التي قد تهدّم في أي لحظة فوق رؤوسهم). في ما يلي سأفصّل برأيي حول هذا الموضوع.

بداية أعتقد أننا لم نعد نعيش اليوم في عالم يمكن تصنيفه الى بلاد الإسلام وبلاد الكفار، وأعتقد أن إدراك هذه الجزئية جيداً هو مفتاح الحل لإعادة فهم وتفسير الكثير من النصوص الدينية.
فهل نعتبر مثلاً أن بلداً يتم توريث الحكم فيها وسرقة معظم مواردها من العائلة الحاكمة أو الرئيس الدكتاتور بلد إسلامي إذا رفعوا الآذان أو ذكروا في الدستور أن القوانين مستمدة من الدين الإسلامي؟! هل الإسلام دين سطحي لهذه الدرجة؟! حاشاه.

هل إذا ذهب الحاكم السارق الفاسد القاتل لتمثيلية صلاة العيد أصبحت الدولة مسلمة؟! هل نحن حمقى لهذه الدرجة؟!
عملية التصنيف هذه أوصلت البعض إلى أحكام فقهية مضحكة ومبكية في نفس الآن، فباحث إسلامي حاصل على درجة الدكتوراه يتحدث أن الهجرة لبلاد الكفار جائزة في حال قمت بالتجسس لصالح ولي الأمر!! أي ولي أمر وأي تجسس وفي أي عصر يعيش فيه هذا الباحث!

كما تدعوك نفس الدراسة للامتناع عن أي عمل يقوم بتقوية الكفار، فمثلا هل يعالج الطبيب المسلم مريضه الكافر؟! فهو يقويه بذلك، ولماذا تتوقع أنت كمسلم أن يعالجوك بالمقابل (ومجاناً في بعض الدول). لماذا يجب أن نكون وحوشاً أنانيين ونترك لهم الإنسانية؟ وكيف نتمنى الفناء والهلاك للكفار ونريد هدايتهم للإسلام في نفس الآن؟! أي تناقض نتحدث عنه!

وهل يعتبر المقيم في دولة عربية ويدفع الضريبة لحكومة موالية لبشار أو لطاغية آخر في بلده يقوم بتقوية الكفار أم لا؟!
هناك دراسة قام بها باحثان في جامعة جورج واشنطن عن ترتيب دول العالم وفقاً لالتزامها بالمبادئ الإسلامية، حيث قام الباحثان باختيار أهم 113 مبدأ إسلامياً مستمداً من القرآن (مثل العدالة، المساواة، الحريّة.. الخ) وقاما بتصنيف دول العالم وفقاً لها، وغنيّ عن البيان أن الدول الإسلامية أتت في آخر هذا التصنيف بينما ترأست القائمة دول الغرب "الكافرة".

في بلاد "الإسلام" المجاورة لسوريا مثلاً؛ السوري ممنوع من الدخول وإن دخل فهو ممنوع من العمل، كيف ندعوه للإقامة في بلد ممنوع فيها قانوناً أن يعمل! أليست مخالفة القانون حراما كذلك؟! وكيف سيقوم هذا المسكين بالصرف على عائلة دون عمل قانوني ويمكن أن يتم طرده في أي لحظة! البعض يتحدث عن أن أجهزة بعض الحكومات تغضّ النظر عن السوريين مشكورة، لكن هل يمكن لعاقل أن يؤسس حياته وحياة أولاده على "غض النظر"!

هذه طامة كبرى وليست جزئية صغيرة نختلف عليها. وهو أمر لا علاقة مباشرة للشعوب به بل الحكومات. وأسأل الله ألا يذوق أحد طعم أن تكون ممنوعاً من العمل = ممنوعاً من الحياة = مطلوباً للعدالة في أي لحظة.. اسألوا أخوتنا الفلسطينيين في لبنان مثلاً.

في بلاد الكفار لا تستطيع فقط ممارسة عملك بحرية كاملة بل ديانتك كذلك، بل وتستطيع إخبارهم عن دينك وحضارتك وثقافتك، وإذا عرفت كيف تقوم بذلك وفق القانون ستجد الدولة "الكافرة" نفسها تقوم بتمويلك ودعمك لإيصال صوتك كأقلية لبقية الناس وتعريفهم بحضارتك.
تركيا مثلاً هي بلد علمانية بجدارة، دستوراً وقانوناً، والحجاب كان ممنوعا فيها لفترة قريبة وما تزال تحتوي على شواطئ عري ونوادي ليلية.
لكنها بالنسبة للسوريين بلد أكثر إسلامية من بلاد ترفع راية الإسلام فهي تفتح ذراعيها لهم كل يوم وتعطيهم حقوقهم من اليوم الأول.

التفريغ العرقي في سوريا.

بداية أنا أتحدث هنا عن هجرة المدنيين السوريين، لأن هناك من يدعو الناس للحياة في مناطق غير آمنة لحماية "الأرض" من التفريغ الديمغرافي أو العرقي تحديداً.. وشخصياً لا أعتقد أن البشر هم كتلة إسمنت يجب سكبها في مكان معين في سوريا لنحافظ على ديمغرافيته، الناس ليسوا جزءاً من لعبة استراتيجية تلعبها على الكمبيوتر، الأولوية دائماً للإنسان.. للروح الغالية التي يجب الحفاظ عليها. وليست للأرض التي لا تعني شيئاً من دون الفرد.. الوطن ليس جبلاً وسهلاً وبحراً بل هو المجموع الكلّي ل"قيمة" من يسكنه.. وكرامته هي الكرامة الجمعية لمواطنيه..

ثم مالذي تستطيع فعله أسرة سورية مسكينة تعيش في منطقة محرّرة وتتوقع برميلاً من بشار في أي لحظة! في أي نص قرآني أو ديني قرأتم أن الإنسان عليه أي يحمي بجسده أرضاً لا يستطيع حمايتها أساساً من صاروخ أو دبابة أو برميل! مالذي ستستفيده هذه الأرض من أشلاء هذه العائلة المسكينة!
ولو تخيّلنا أن لدينا حنفية "مواطنين" تستطيع بواسطتها "سكب" مواطنين من الإثنية أو الديانة التي تريدها في أي منطقة في سوريا، فهل سيحلّ هذا الأمر الأزمة برأيكم؟ هل سكب 100 ألف مسلم سنّي مدني في منطقة ثائرة أو حتى مؤيدة يعني دعم الثورة السورية؟ لو سكبتهم في منطقة ثائرة فستدكّهم براميل بشار في اليوم التالي، ولو سكبتهم في منطقة مؤيدة، فطرطوس مثلاً يعيش ضمنها اليوم عشرات آلاف السوريين من السنّة لكن لا وزن لوجودهم إطلاقاً ضمن المعركة العسكرية.
وبغض النظر أن عملية السكن والهجرة تخضع للظروف الموضوعية (من أمان وماء وطعام وكهرباء واتصالات ..الخ) وليس إلى دعوات المثقفين والمنظّرين إلى تعبئة "الأرض"، فإن التعامل مع الأرواح والسكّان بهذه الطريقة رخيص للغاية ناهيكم عن عدم واقعيته أساساً.
وللتأكيد فإن كلامي أعلاه لا يشمل المقاتلين دفاعاً عن كرامة الناس وحريتهم، بل يشمل العائلات والمدنيين موضوع الحديث أعلاه. وبالمناسبة فإن من لا يود القتال (أو لا يستطيع) لن تدفعه أي فتوى أو ظروف لذلك، ولو بقي حتى داخل الأراضي السورية وهذا حال أغلب المقيمين في الداخل أساساً. فهم يسعون للقمة يومهم، وبالنهاية فهم يدفعون الضرائب والفواتير مجبرين لحكومة بشار.
التفريغ العرقي الذي يحدث في سوريا هو نتيجة لحرب ومعركة من الأعلى ولا يمكن للسكان ان يقوموا بدور فعال في مواجهة آلة حربية تقصفهم من الجو. وإلى من ينظّر أسأله هل تقبل ان تتواجد عائلتك في منطقة مهددة بالقصف او انقطاع موارد الحياة في أي لحظة؟ هل تقبل بأن تتواجد والدتك في مكان قد ينقطع عنها دواؤها في أي يوم؟!

ماذا بعد تحريم الهجرة؟

بعض العلماء (أفراداً ومؤسسات) حرّموا الهجرة إلى أوربا وبلاد الغرب عموماً، ولا أعتقد شخصياً أن لاجئاً واحداً قد تقطّعت به السبل سيسمع هذه الفتوى ويطبّقها، فلو أخبرت شخصاً يكاد يموت من العطش أن شرب الكأس التي أمامه حرام فسيضرب بفتواك بعرض الحائط وسيشربها ولو كانت من الخمر.

وفي حقيقة الأمر أن الناس اليوم منقسمون بين محرّم للهجرة وبين مشجّع لها... والأصوات مرتفعة اليوم إما لتشتم العرب وترفع الغرب، أو لشتم الغرب والاعتزاز بالعرب.. وبعيداً عن ضوضاء هذه المعركة عديمة الفائدة لم أسمع أحداً يتحدث عن واقع الهجرة الحتمي وكيفية التعامل معه كفقه "واقع".
حيث لم يخصّص أي جهد تقريباً لتوعية من يقوم بالهجرة بمزاياها وأخطارها، حسناتها وسيئاتها، وفي حال عزموا القيام بها كيف يقومون بها، وكيف يتخذون الأسباب لحماية أرواحهم، مثلاً ضرورة شراء ستر نجاة من نوعية محددة لمن يسافر بالبحر، وضرورة شراء هاتف أقمار صناعية مضاد للماء لكل قارب للاتصال بالنجدة وما إلى ذلك.

مثل هذه الأمور على بساطتها كانت ستحفظ أرواح آلاف السوريين وغيرهم، وتكاليفها بسيطة للغاية. ولنفترض جدلاً أن الهجرة حرام شرعاً فإن حفظ الروح أهمّ من هذه الجدلية.
كذلك لم أر أي جهد يُذكر في توعية المهاجرين إلى كيفية الحفاظ على دينهم عند الوصول لبرّ الأمان (محور الخلاف أعلاه أساساً!)، وكيف يستمرون بدعم قضيتهم من المهجر بفعالية.. والتعلّم بنيّة خدمة أهاليهم ووطنهم لاحقاً.
قد يقول البعض هناك من يهاجر وحياته ليست في خطر (سوريو الخليج كمثال)، صحيح لكن استغلال البعض لحاجة هؤلاء لا يعني وضع كل المهاجرين في خانة واحدة، فهل لو قام محتال بطلب مساعدة من جمعية خيرية لقمنا بإيقاف جميع المساعدات للمحتاجين بسبب وجود محتال!

هناك واقع حتمي نراقبه كل يوم اسمه "هجرة السوريين"، نكرانه ليس مفيداً، وتحريمه ليس فعالاً، الهجرة بالنسبة للبعض "شرّ لابد منه" ونحتاج لمن يتعامل مع هذا الواقع بموضوعية ويساعد الناس على القيام به بأفضل شكل وأقل ضرر بعيداً عن التنظير. السوريون اليوم يحتاجون لدورات في المهجر أو حتى قبل الهجرة، ليتعلموا ثقافة الآخر (وهي ثقافة لا نملكها كعرب) وكيفية التصرّف في هذه البيئة الجديدة الغريبة، هم بحاجة كذلك ليتعلموا أمور دينهم.. فمن لا يعلم أمور دينه ضائع في بلاد العرب قبل الغرب، والاختلاف هنا في المظاهر فقط.

جُعلت لي الأرض مسجداً... وامشوا في مناكبها... والنجاشي موجود في كل زمان... والسوري لا يحتاج للحياة في خيمة في الصحراء للحفاظ على دينه...

طالما صدقنا كذبة بلاد الإسلام وبلاد الكفار سنبقى نتجه للقاع.. وصدقوني أصبحنا قريبين منه للغاية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.