المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد بايزيد  Headshot

أنتم مدينون لنا بالاعتذار!

تم النشر: تم التحديث:

لا أقصد في هذه المقالة شخصاً بذاته، فلو كانت المشكلة محصورة بشخص لما كنت كتبت هذه المقالة أساساً، المشكلة أصيلة وأعمق من ذلك بكثير.

مصادر التشريع في الإسلام كثيرة، أبرزها القرآن والسنة، والباقي هي عناصر مختلف عليها، وليس من الضرورة أن نتفق على كل الأشياء كمسلمين، يمكننا أن نختلف ويبقى الودّ بيننا.

ولسبب ما فإن بعض الفقهاء (وهم كثيرون للأسف) قد ألغى كل ما سبق، صادر جميع الآراء، وأخرج من يخالف رأيه عن الملّة الإسلامية، والسلاح كان بسيطاً للغاية: إنها "الفتوى"!

وبهذه "الديكتاتورية" الدينية تسلّط البعض على رقاب الناس ليخرج لنا نسخة إسلامية برؤيته الخاصة مهما كانت متخلّفة، وخلال عشرات السنين الماضية أتحفنا كثير من العلماء بفتاوى استثنائية، ولا أتحدث هنا عن بعض الزلات الفردية التي حولت بعض المُفتين إلى نجوم كوميديا على المستوى العالمي (وهذه حقيقة شئنا أن نعترف بها أم لا.. ونعم هناك من يتصيّدهم بالطبع)، بل أتحدث عن أخطاء مؤسسات وجماعات دينية اتفقوا عليها لفترات طويلة، وبعد ذلك تراجعوا عنها بهدوء وسكوت بكل بساطة!

وأود أن أذكر على عجالة أبرزها ما يخصّني كإعلامي: هل تعلمون مثلاً أن الكثير من رجال الدين الأجلاء وذوي الوزن قد حرّموا طباعة الكتب ومنعوها بشكل كامل منذ حوالي 500 عام في العهد العثماني وقيل أن من يخالف هذا الأمر كان مهدّداً بالقتل (لمن يعترض على كلمة ديكتاتورية دينية)! والطريف أن الفتوى كانت تمنع المسلمين وحدهم من الطباعة وتتيحها للديانات الأخرى من مسيحي ويهود في الدولة العثمانية!

بقيت الفتوى لأكثر من 200 عام وكانت سبباً رئيساً في تخلّف المسلمين، ولضياع عدد كبير من كتبهم وعلومهم، انتشرت خلالها كتب الديانات الأخرى بشكل كبير!"
وبعد أن سمح العلماء "تجاوزاً" بالطباعة (غضوا نظرهم جزاهم الله خيراً)، أتحفونا بفتوى تحريم التصوير، واحترف الغرب التصوير بمختلف أنواعه، وتذوقوه فنياً، وبقينا في الظلام حتى أكرمنا العلماء بالتمنن بتحليل ذلك... والجواب بسيط: لا بأس بذلك!

وبعدها أتحفنا العلماء بحرمة التلفاز، لنستمر بتخلفنا الإعلامي والفني الرهيب! ولنستمر بعزلتنا كمسلمين عن عالم الفن والترفيه بمختلف أنواعه، وكالعادة أجاد الآخرون وعلى رأسهم اليهود وأبدعوا فيه، وكان لهم السبق في كل وسائل الإعلام في أرجاء المعمورة خصوصاً في الولايات المتحدة، وهم اليوم يتحكمون بالعالم عبر وسائل الإعلام.

وبعد أن أصبحت الفجوة مخيفة بين المسلمين والغرب، هز علماؤنا الأفاضل رؤوسهم بصعوبة: نعم لا بأس بذلك.

علماؤنا الأفاضل أصحاب تلك الفتاوى العبقرية الفريدة أنتم مدينون لنا ولكل المسلمين في العالم باعتذارات كثيرة، فأخطاؤكم لم تؤثر عليكم أو على مجموعة ضيقة من الناس، إنما أثرها كان بالغاً هائلاً، وهو أثر لا يمكن محوه مطلقاً، وعلينا كمسلمين اليوم بذل جهود استثنائية لكي نحاول اللحاق بالغرب في كل المجالات التي أعدمتموها من قبل. وأود أن أذكر لكم أن الأذى الذي سببتموه لهذا الدين في المجال الإعلامي لعله يفوق ما قام به أعداء هذا الدين مجتمعين.

هل سمعتم أي عالم أو أي جهة دينية مرموقة خرجت للعالم باعتذار علني عن أي من فتاواها السابقة؟ الاعتذار لغة الشجعان، والاعتذار العلني يذكّرنا بأننا بشر نُصِيب ونُخطئ وهذا يؤسس لثقافة المراجعة التي لا نملكها مطلقاً.

الإسلام دين متفوق وليس متخلفاً، الإسلام دين سبّاق وليس ديناً متأخراً يلهث للحاق قطار قد غادر منذ سنين..

الإسلام هو قضية ناجحة بين أيدي محامين فاشلين.

علماؤنا الأفاضل الأصل في الأمور الإباحة، ادرسوا كلماتكم جيداً وتذكروا أن نصف العلم لا أدري، وأن الصمت من ذهب، فقطار الأخطاء لم ينته بعد!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.