المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد علام Headshot

هل يمر الوقت أسرع مما كان من قبل؟

تم النشر: تم التحديث:

بمجرد انتهائي من مشاهدته، أو بالأحرى التفاعل معه، لم أستطِع أن أمنع نفسي من مشاركته مع أصدقائي على فيسبوك، فقد كان من الإبهار والكشف أن جعلني أفكر في إعادة حسابات كثيرة كانت تدور بذهني بالفعل في الوقت الحاضر.

أتحدث عن رسم تفاعلي طوَّره Maximilian Kiener في عام 2015 بناء على نظرية وضعها الفرنسي Paul Janet في عام 1897 تُعرف بنظرية التناسب. يمكنكم إيجاد النسخة المعربة من قِبل موقع "الباحثون السوريون
"

مفاد النظرية المثيرة للتفكر أن الوقت الذي يدركه الإنسان يتسارع إيقاعه بتقدم العمر، فإدراك الطفل للوقت في سنته الأولى يمثل 100%؛ لأن هذه السنة هي العمر المدرك لهذا الطفل، ومع تقدم العمر تنقص نسبة الإدراك ويتسارع إيقاع الوقت، فبزيادة كل سنة تنقص النسبة التي تمثلها هذه السنة من عمر هذا الشخص. أمر معقد، أليس كذلك؟!

يطرح الموقع التفاعلي بعض التوضيحات عبر الرحلة التي لا تتطلب منك سوى تحريك ماوس الكمبيوتر لتدرك أنه، على سبيل المثال، عند بلوغ هذا الطفل 8 سنوات، تصبح السنة ممثلة لـ12.5% فقط من عمره وتصبح هذه النسبة هي إيقاع إدراكك للوقت مقارنة بالسنين السابقة، أو بالأحرى، مقارنة بالسنة الأولى من العمر.

جعلني الرسم التفاعلي وقراءتي السريعة عن النظرية أراجع نظرتي السابقة لشعورنا بمرور الوقت سريعاً مع التقدم في السن.

فنظرتي السابقة لم تتعدَّ كونها قالباً نمطياً من التفكير التقليدي الذي استوعبته من غيري دون شعوري بالحاجة للمزيد من التفكير والبحث، فقد كان من المنطقي أن الطفل الذي ليس له ما يشغل باله من مسؤوليات ولا يحاسب من أي جهة فردية كانت أو مؤسسية، إلا من أبويه اللذين تحركهما مشاعر إيجابية نحوه قبل أي شيء آخر، ألا يشعر بمرور الوقت سريعاً حيث لم يتكون لديه إدراك ووعي كامل بالوقت والعمر والموت وغيرها من المفاهيم ذات الصلة التي يتعلمها أو يدركها الإنسان مع مرور الوقت وتقدّم العمر.

من المثير للاهتمام في الرسم التفاعلي أن ربطه Kiener بنظرتنا التقليدية للوقت على أنه من ذهب، أو كالنقود، فنحن نقضي الوقت ونصرف النقود (يبدو هذا التشبيه أقرب عند قوله بالإنكليزية حيث يستخدم الفعل spend مع الوقت والنقود أيضاً)، وكلما زاد المعروض من النقود زادت الأسعار (ارتفع التضخم)، وهو ذات الأمر الذي يحدث للوقت، وفقاً للنظرية المعروضة، فكلما زاد الوقت الذي نقضيه في الحياة، زاد التضخم وأصبحنا نحتاج المزيد من الوقت لقضاء ما كنا نقضيه سابقاً في وقت أقل! يبدو تأثير هذا الفكر على كاتب فيلم In Time الذي يصور مستقبلاً يستخدم فيه الإنسان الوقت - جزء من عمره - للدفع مقابل السلع والخدمات، في حين يحصل على راتبه في صورة وقت أيضاً.

ونظرية التناسب ليست الوحيدة المفسرة لهذه الظاهرة التي يشعر بها معظم -إن لم يكن كل- الناس.
هناك نظريات أحدث تعتمد على البيولوجيا أو علم الأحياء لتفسير هذا الشعور، فيعتقد بعض العلماء أن شعورنا بمرور الوقت أسرع عند تقدم العمر مرتبط بعملية الأيض التي تتم داخل الجسم، فإذا كان قلب الطفل ينبض، ورئتيه تتنفسان، ودمه يتدفق بشكل أسرع من الكبار فهو إذاً يقضي نفس الوقت ولكن بشكل أسرع.

فلنا أن نتخيل ساعة تتحرك عقاربها أسرع من المعتاد بنسبة 50% فبعد 24 ساعة ستكون هذه الساعة قد أدركت 36 ساعة! من منظور بيولوجي أيضاً يعتقد بعض العلماء أن الزمن يتباطأ كلما ارتفعت درجة حرارة أجسادنا، وهو أمر مرتبط بالعمر أيضاً، فعادة ما تكون درجة حرارة أجساد الأطفال أعلى من درجة حرارة أجساد البالغين.

أما علماء النفس، فقد رأى بعضهم أن شعورنا بالوقت يعتمد بشكل أساسي على رؤيتنا أو إدراكنا الحسي، وقد ربط هؤلاء ما بين كم المعلومات التي يستوعبها عقل الشخص ومدى إدراكه للوقت، فكلما زاد كم المعلومات تباطأ الوقت.

بالرغم من الإحباط الذي قد يسببه هذا المفهوم وهذه النظريات لمن هم أكبر سناً، فهناك رؤى جديدة تتفتح أمامنا، لا سيما لمن هم مثلي لم يعلموا عن هذه النظريات من قبل، فكم هو مثير كم القراءات المختلفة لظاهرة ما من وجهة نظر علوم مختلفة كل يعمل على تفسير الظاهرة وفهمها بما لديه من أدوات! كم هو رائع أن ترى وتتفاعل مع نظرية صعبة الفهم في شكل جذاب وبسيط كالذي صممه Kiener!

على الجانب الآخر يمكننا النظر لهذه النظرية بالكاشفة عن مدى قصر العمر الذي تبقى لنا، مما يجعلنا نعمل ونجتهد لتحقيق ما نسعى إليه بشكل أسرع، أو ربما ينظر البعض الآخر لقِصر ما تبقى من العمر كفرصة للاستمتاع بالوقت الثمين المتبقي لنا على هذه الأرض.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر:

1- Digital Projects

2- The Speed of Life: Why Time Seems to Speed Up When We Get Older

3- Why half of the life you experience is over by age 7

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.