المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد علام Headshot

ما بعد الحقيقة "1"

تم النشر: تم التحديث:

بحكم عملي ودراستي، أتصفح مع نهاية كل عام أكثر المواقع شهرة مثل جوجل وفيسبوك وتويتر بحثاً عن الموضوعات أو الوسوم أو كلمات البحث الأكثر تداولاً وشيوعاً خلال العام المنصرم، ومع نهاية عام 2015 أصبحت أهتم أيضاً بمتابعة "كلمة العام" التي يتبناها العاملون على قاموس أكسفورد بنهاية كل عام، فقد كانت كلمة عام 2015 مثيرة للاهتمام حيث اختير رمزاً تعبيرياً ليكون كلمة العام للمرة الأولى على الإطلاق، هذا الرمز هو "وجه مع دموع الفرح".

أما في عام 2016 المتشبع بأحداث سياسية وثقافية من شأنها تحديد شكل السنوات القليلة المقبلة، فقد كانت كلمة العام هي Post-Truth أو "ما بعد الحقيقة".

استمعت لهذه الكلمة لأول مرة في برنامج Last Week Tonight with John Oliver، وهو لغير العارفين به برنامج سخرية سياسية، يشبه إلى حد كبير برنامج "البرنامج" لباسم يوسف، تنتشر هذه البرامج في الولايات المتحدة الأميركية؛ حيث صرح باسم يوسف عدة مرات بأن برنامجه جاء بإلهام، وفي البداية ببعض التقليد، لجون ستيوارت، المقدم السابق لبرنامج The Daily Show الذي كان من أشهر برامج هذه الفئة المسماة بالـpolitical satire.

وتعتمد هذه البرامج بشكل أساسي على النقد اللاذع من خلال السخرية والتهكم من خطابات السياسيين والشخصيات العامة، وقد شكَّل خطاب دونالد ترامب، منذ إعلانه عن ترشحه لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية، مادة إعلامية لا تنتهي لهذه البرامج التي تتبنى في معظمها الفكر الليبرالي المناهض لخطاب ترامب الشعبوي القومي والداعي للعزلة الثقافية ونبذ الآخر.

على مدار الحملة الانتخابية الشرسة بين دونالد ترامب وهيلاري كلينتون، حاولت هذه البرامج السخرية من خطاب ترامب المتسم بالنزعة الشخصية والاندفاع وغير العقلانية وعدم الاستناد للحقائق، وقد حاولت بنفس القوة دحض أكاذيبه (Fact Checking) التي كان يلقيها يميناً ويساراً في كل وسيلة إعلام يستخدمها تقليدية كانت أو حديثة. ولكن يبدو أنها لم تنجح، فقد أصبح الواقع الآن أن ترامب هو الرئيس المنتخب، الذي سيخلف أوباما؛ ليكون الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة.

"ما بعد الحقيقة" هو تعبير وثيق الصلة بالإعلام الأميركي الليبرالي، فبالرغم من أنها ليست كلمة جديدة، فإن استخدامها قد شاع في عام 2016 مع بروز ظواهر سياسية متشابهة في دلالتها على تصاعد عدد المتبنين للفكر القومي المنغلق مع التشكك في قيم الليبرالية والانفتاح والفرص المتساوية. ظواهر أهمها إعلان المملكة المتحدة رغبتها الخروج من الاتحاد الأوروبي (Brexit)، وانتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، وحسب أكسفورد فقد ظهر المصطلح "في سياق أو وصف الظروف التي تصبح فيها الحقائق الموضوعية أقل تأثيراً في تشكيل الرأي العام من الشحن العاطفي والمعتقدات الشخصية".

وبالرغم من ذاتية المصطلح وبعض الانتقادات الموجهة له بأنه محاولة نيوليبرالية لإظهار حقيقة واحدة هي وجهة نظرهم، فهو قابل للتطبيق في مجالات شتى، وفي بقاع مختلفة من العالم، كل حسب حقيقته، ففي بلداننا العربية يمكن لهذا المصطلح أن يستبدل "نظرية المؤامرة" لوصف ما يصدقه البعض من نظريات لا يمكن إثباتها بالمنطق والملاحظة العلمية الدقيقة للأحداث. فالثورات العربية مؤامرة غربية لإعادة فرض الهيمنة من خلال تنصيب قادة جدد ذوي أيديولوجية إسلامية وسطية يمكنها التأقلم مع القيم الغربية، وفي ذات الوقت لا تعادي الغرب كما يمكن للفكر المتطرف أن يفعل، أما داعش فهي من صنع الولايات المتحدة بهدف إشعال الفتن والتفرقة بين أبناء الهوية الواحدة.

لطالما لاقت هذه الادعاءات آذاناً مصغية وقلوباً قابلة للتصديق بل والقتال من أجلها، هي حقيقة في نظر أصحابها وما بعد الحقيقة في نظر من لا يجدون أي مؤشرات واضحة على مدى صحتها.

وتمثل صفحات وسائل الإعلام الاجتماعي أرضاً خصبة لخطاب ما بعد الحقيقة، فيمكن لأي شخصية أو حتى صفحة مجهولة أن تلعب على أوتار الدين والسياسة والهوية الاجتماعية والثقافية من خلال نشر القصص والأساطير التي بالرغم من مناقضتها لما نراه على أرض الواقع لا تلبث أن تنتشر وتجد من المعجبين الآلاف وربما الملايين.

تحدٍّ كبير سيواجه مَن يعمل ويهتم بالخطاب وإضفاء الطابع الديمقراطي على الإعلام، يتركنا عام 2016 والعاملين على قاموس أكسفورد بالعديد من الأسئلة حول ما سوف تتكشف عنه هذه الظاهرة.

هل الحد من حرية التعبير وتبني الخطاب الأحادي هو الحل؟ بالتأكيد لا، فلا نستطيع ترك المجال العام لجهة واحدة، مهما كان توجهها، أن تحدد ما هي الحقيقة.

هل برامج التثقيف ومحو الأمية الإعلامية هي الحل؟ ربما.. سأتابع بكل تأكيد مدى انتشار وكيفية استخدام هذا المصطلح في الأيام والشهور المقبلة، سواء في المجال العام الغربي أو العربي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.