المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد علام Headshot

لقاء مع أرض مفقودة

تم النشر: تم التحديث:

أنهيت محاضراتي ليوم الاثنين منهكاً ذهنياً من كم المعلومات الجديدة التي تلقيتها، مثقلاً بالتفكير في المهام المطلوبة بين بحث وقراءة وتعلم أدوات تحليل، انقطع حبل تفكيري بصوت تنبيه من هاتفي يذكرني بفعالية ينظمها مركز العلاقات الدولية والعلوم السياسية التابع لجامعتي، جامعة فيلنيوس، بليتوانيا، استحضرت أكبر قدر ممكن من الحماس وركبت الأتوبيس غير متأكد أنني سأصل في الموعد.

في المركز، أركض للوصول للدور الرابع؛ حيث القاعة المعتادة لمثل هذه الفعاليات، دخلت القاعة، ثم جلست بعد أن خلعت معطف الشتاء الثقيل، ولم أكن قد تأخرت كثيراً حيث تصادف أن حدث عطل تقني في الفيلم المخطط عرضه، وما أن انتهى التقني من حل المشكلة حتى بدأ عرض الفيلم مرة أخرى.

من موقعي بآخر صف في القاعة، أخذت كعادتي أتفحص الحاضرين، أول نظرة عادةً تدور في الأرجاء باحثة عن شخص أعرفه، وحين لم أجد، بدأت البحث عن شخص تربطني به وبفيلم اليوم صلة ما، لم يحالفني التوفيق أيضاً، فكل الحضور اليوم يبدو أنهم من مواطني ليتوانيا أو أوروبا بشكل عام.

انتبهت للفيلم مرة أخرى، يتسلل صوت الموسيقى ليلمس روحي التي تحن للوطن وتحن للأرض، لم تكن الموسيقى فحسب، بل صور البيوت والأصوات والكتابات، هو حنين للمكان الذي لم أرَه قط، ولكنه كان وما زال يشغل حيزاً بنفسي.

أستمع للحوارات التي أجرتها مخرجة الفيلم، معظمها مع فرنسيين يدلون بشهاداتهم عن تلك الفترة الزمنية التي ليست بقريبة ولا هي ببعيدة، على الرغم من الترجمة الإنكليزية المصاحبة، حاولت جاهداً التقاط بعض الكلمات الفرنسية لاختبار ذاكرتي؛ حيث كنت أتعلم هذه اللغة في مصر لفترة وجيزة، أشعر بالحنين مرة أخرى لمكان وزمان آخرَين هذه المرة.

تتسارع وتيرة الأحداث، ينتقل الفيلم لمرحلة هي الأهم في الصراع، سيتغير مجرى الدراما حتماً الآن، هي ليست دراما وفقاً للتصنيف السينمائي، ولكنه فيلم وثائقي يحكي تجارب من واقع الوثائق والسجلات وشهود العصر، أشعر بغصة ينقلها لي صوت المتحدثين.. ينتقل إلى شعورهم بالحسرة والألم لما حدث، إحساسهم بالبعد عن الأرض، بما تحمله من ذكريات.. اثنان منهم يتقابلان للمرة الأولى بعد عقود.. الموسيقى والكتابات وصور المنازل بين الماضي والحاضر تأخذني لموطني مرة أخرى، أشعر بالأسى.. ولكن سرعان ما تنطفئ الشاشة لتنطفئ شمعة النوستالجيا وتضيء أفكار الحاضر.

تتحدث سيدة صغيرة بإنكليزية سلسة، حسبتها في البداية مخرجة الفيلم، ولكن بعد استخدام هاتفي للبحث عن اسم المخرجة تبين لي أنني مخطئ، قد تكون من أعضاء هيئة التدريس في المركز إذاً.

يبدو عليها الحماس وهي تسأل: مَن منكم يعتقد أن ما رآه الآن واقعي وحدث بالفعل؟ انتابتني لحظة من الحيرة، فأنا بالطبع أصدق وأؤمن بالحق والقضية، أنا منحاز إذاً.. قررت عدم رفع يدي والاكتفاء بالمتابعة.

اندهشت قليلاً لكثرة عدد الأيدي التي رُفعت تعبيراً عن تصديق أصحابها لما شاهدوا وسمعوا.. أشعر بالأمل، ابتسمت المتحدثة لعدد الأيدي ولم أستطِع إخفاء ابتسامتي أيضاً.

تستكمل تعقيبها على أحداث الفيلم.. قليل من الحسرة مختلطة بالغيرة تتسلل إليَّ.. فكيف لها أن تعرف هذا القدر من الحقائق والمعلومات وهي من نصف الكرة الأرضي الشمالي، وأنا واحد من أبناء هذه الأرض، لا أعرف كل هذه التفاصيل.

تنتهي الفعالية بدعوة من المتحدثة للحضور بأن يتحدثوا لغيرهم عن الفيلم وعن الوقائع والأحداث، بأن يوصوا غيرهم بمشاهدة الفيلم وبأن يبحثوا ويدققوا في المعلومات الواردة والروايات المضادة التي أكدت أنها شبه غير موجودة، وها أنا أوصيكم بما أوصتنا به.

الفيلم: À la rencontre d'un pays perdu أو لقاء مع أرض مفقودة.

للمخرجة: Maryse Gargour ماريز جرجور.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.