المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد علام Headshot

"القاهرة في فيلنيوس".. جهود ألمانية ناعمة لمواجهة العزلة في ظل أزمة الهجرة

تم النشر: تم التحديث:

بينما أتصفح موقع فيسبوك لمعرفة الفعاليات التي ستُقام في فيلنيوس، وهي عاصمة ليتوانيا، البلد الذي أقطن به حالياً لدراسة الماجستير، وجدت ما جذب انتباهي بشدة.

هي المرة الأولى التي أشاهد فيها حروفاً عربية في إعلان عن فعالية في فيلنيوس، فهي -بالرغم من عضويتها بالاتحاد الأوروبي- ليست من الوجهات المعتادة للمهاجرين أو حتى السياح العرب.

ازدادت دهشتي واهتمامي عندما قرأت الجملة الوحيدة المكتوبة باللغة العربية وسط بحر من الكلمات المكتوبة باللغة الليتوانية التي يعتز بها أهلها بشكل كبير لأسباب عدة، منها حرص ليتوانيا على تعزيز الهُوية الوطنية التي كادت تُطمس أثناء العهد السوفييتي.

كانت الجملة المكتوبة بالعربية هي "القاهرة في فيلنيوس"، عنواناً جذاباً لمصري أمضى ثلاثة أشهر بعيداً عن وطنه، وها هو يجد مدينته قد أتت إليه، للحظة تمنيت أن تكون القاهرة قد جاءت بمظهر مهم من مظاهر الثقافة المصرية، ألا وهو المطبخ المصري!

2017-03-30-1490861865-5534310-15181675_1186615068042279_8743487059056146141_n.jpg

أما عن الفعالية، فقد كانت جزءًا من برنامج "صلاحية تامة" أو "Carte Blanche" الذي ينطوي على مجموعة من الأنشطة التي تنظمها ثلاثة أفرع لمعهد غوته، وهو المسؤول عن نشر وترويج أولويات الدبلوماسية الثقافية الألمانية من خلال 160 فرعاً في أكثر من 90 دولة، الأفرع المشاركة في هذا البرنامج هي معهد غوته في القاهرة، وبيروت، وعمّان.

اتفقت هذه المراكز مع ثلاثة أفرع أخرى في شرق ووسط أوروبا هي معهد غوته في فيلنيوس، وبراتسلافا (عاصمة سلوفاكيا)، وبراغ (عاصمة جمهورية التشيك)، على أن تُمنح للمراكز الموجودة بالشرق الأوسط صلاحية استخدام مقار المعاهد الأوروبية الثلاثة للعمل على مد جسور التعارف بين هذه البلدان وتلك، من خلال برامج ثقافية مشتركة تضم حفلات موسيقية، وورشات عمل، وحلقات نقاش، وعروض أفلام.

لم أكد أقرأ هذه المعلومات، إلا ووجدتني أتساءل عدة أسئلة تبدأ معظمها بـ "لماذا"، فلِم تلعب ألمانيا بالتحديد دور الوسيط الثقافي بين دول وأخرى؟ ولمَ هذه الدول في الشرق الأوسط وتلك الدول في شرق ووسط أوروبا؟ ألهذا علاقة بموجة تدفق المهاجرين لأوروبا؟ فلِم إذاً لم تستثمر ألمانيا في برامج ثقافية داخلية موجهة لمئات الآلاف من مهاجرين على أراضيها؟

لم يتسنّ لي الإجابة على هذه الأسئلة من خلال المعلومات الضئيلة المتاحة على المواقع الإلكترونية بالعربية والإنكليزية؛ لذا وجدتني أرسل بريداً إلكترونياً إلى معهد غوته بفيلنيوس، جاءني الرد في نفس اليوم مصحوباً بدعوة من "يوهانا كيلر"، مديرة البرامج الثقافية المشرفة على إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لزيارة المعهد والتحدث عن تفاصيل المشروع.

2017-03-30-1490861971-4067942-15272067_10154807896326757_3268447038721649172_o.jpg

توجهت في اليوم التالي للمعهد وقوبلت بالترحاب، وتحدثت لقرابة الساعة مع كيلر؛ حيث استوضحت العديد من الأمور، بعد التعارف، بدأت طرح أسئلتي التي لم تكن بجديدة عليها، فهي تتلقى هذه الأسئلة بشكل متكرر، وتجدها مشروعة ومنطقية وترحب بالرد عليها.

علمت منها أن المعهد بدأ بالتفكير في المشروع مع ازدياد تدفق اللاجئين إلى أوروبا في العام الماضي 2015؛ حيث تزامن ذلك مع ارتفاع نبرة التطرف والميل إلى العزلة، وفرض سيطرة الأحزاب الشعبوية وخطابها على المشهد الإعلامي، ما أدى إلى وجود خوف غير مبرر من العرب والمسلمين.

وبنظرة سريعة على الخطاب تجاه اللاجئين في هذه البلدان نجد أنه في أواخر عام 2015، وفي خضم استقبال ألمانيا للاجئين، وحث دول أوروبا على فتح حدودها للقادمين من دول دمرتها الحروب، كان رئيس لجنة الأمن القومي في ليتوانيا يقترح قانوناً يمنع "البرقع"، وهو أمر عبثي حتى من وجهة نظر المسؤولين الليتوانيين الذين استبعدوا القرار.

في الفترة ذاتها، ولكن من سلوفاكيا، والتي كانت على وشك تولي الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي ابتداء من يوليو/تموز 2016، خرج نصيب الأسد من التصريحات المعادية للاجئين، لا سيما المسلمين منهم، فقد صرح روبرت فيكو، رئيس الوزراء، بأن "سلوفاكيا ليست مكاناً مناسباً للمسلمين".

أما الرئيس التشيكي فكان يعتقد أن موجة اللجوء "غزو منظم"، داعياً الشباب منهم إلى العودة لبلدانهم للقتال ضد التنظيمات الإرهابية.

وبالرغم من وجود خطاب مضاد، يتبنى الفكر المتسامح والمرحب، فإنه لم يكن بنفس القوة ولم يجد صدى في الدوائر المؤثرة في الرأي العام في أوروبا.

من هنا ومن رؤية معهد غوته لأهمية دوره كمركز ألماني ذي وجود دولي قوي، ولأن الثقافة لا تقتصر على الفن؛ بل تمتد لتشمل الهوية والتعايش مع الآخر المختلف، وجد العاملون على برامج المعهد الحاجة والفرصة للدفاع عن قيم الانفتاح والتعددية من خلال مواجهة الجمهور بهذا الآخر الذي يبدو من خلال وسائل الإعلام كمصدر خطر.

تبلورت الفكرة، وبدأ المعهد في تنفيذ البرامج المختلفة في العواصم الأوروبية الثلاث في بدايات العام الماضي 2016، وقد تلقت المدن المضيفة وإعلامها المحلي الأنشطة الثقافية بالترحاب والحضور القوي والمشاركة الفعالة.

سيعمل معهد غوته، كما علمت، على تقييم للمشروع بعد نهايته، ولربما نرى نسخاً أخرى قادمة، تعمل كمنصة ممتدة للحوار والتبادل الإيجابي من أجل تغيير وجهات النظر التي تلاعب بها بعض السياسيين ووقع ضحيتها شعوب تميل بفطرتها للخوف من المجهول والآخر.

2017-03-30-1490862003-456422-14520401_1158119504234851_3057862025262257797_n.jpg

الآن وبعد العودة للمنزل لكتابة هذه الأسطر، أجدني أفكر في تجربتي الشخصية؛ حيث اتخذت قراراً فيه كثير من المخاطرة للسفر للدراسة بالخارج والعيش وسط مجتمعات تختلف عن كل ما هو مألوف في بلداننا.

وبالرغم من طبيعتي الشخصية المفضلة لتجنب المواجهة فقد حرصت على تجربة كل ما هو مختلف سعياً للمعرفة، هذا ما جعلني أهتم بمبادرة معهد غوته التي أتت بفنانين، وبصور، وبشخصيات عامة من العالم العربي الإسلامي ذي السمعة السيئة في أوروبا؛ ليواجهوا المجتمع الأوروبي بصفتهم الشخصية وفنهم وأفكارهم العالمية العابرة للحدود.

اعتقدت آنذاك أن هذه المواجهة من شأنها تغيير الصورة النمطية لدى مواطني شرق ووسط أوروبا عن الشرق الأوسط، أو على الأقل حثهم على معرفة المزيد عن هذا الجزء من العالم ذي الحظ الأتعس.

لكَم وددت أن أنهي هذا المقال نهاية سعيدة متفائلة بغد أفضل يتسم بالتسامح والمودة والتعايش، لكن الواقع للأسف يخبرنا غير ذلك، ففي الأشهر الماضية غادر ليتوانيا 72 من أصل 90 مهاجراً من العراق وسوريا كانوا قد أعيد توطينهم بمقتضى برنامج الحصص الأوروبي.

وقد علمت فيما بعد أن توطينهم في ليتوانيا كان يتم في أماكن أبعد ما تكون عن وسط المدينة، وبحكم معيشتي في وسط العاصمة الليتوانية، فأستطيع أن أتفهم تماماً أحاسيس العزلة والرفض التي ربما شعروا بها ليلاً ونهاراً قبل أن يقرروا أخيراً الذهاب لألمانيا بحثاً عن حياة أكثر اتساعاً ومجتمع أكثر قبولاً.

أما في الجارة لاتفيا، فقد قدر الصليب الأحمر هناك أن ما يقارب من نصف عدد اللاجئين الـ 63 قد غادروا، ولا يختلف الأمر كثيراً في بولندا التي رفضت من الأساس قبول حصتها البالغة 7000 مهاجر، وأخيراً طالبت سلوفاكيا بإلغاء خطة إعادة التوطين الأوروبية المبنية على نظام الحصص.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.