المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد علي جودالله Headshot

النجاة عن طريق التصفيق

تم النشر: تم التحديث:

لا شك في أن هناك مجموعة من البشر (وهي كبيرة) قد احترفت مهنة التطبيل والتصفيق للظالم القوي نفاقاً له، وتقرباً منه، وطلباً لما عنده من سلطة وجاه. وهذا النوع من البشر عادة ما يكون مبادراً إلى التطبيل دون أن يطلب منه ذلك؛ إذ هو يعتبر عمله هذا مهنة يسترزق منها المكانة والقوة وبعض المال، (ويالها من مهنة حقيرة تذهب بماء الوجه!)، وقد اختلفت تسمياتهم من مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر؛ فتارة يسمون "سحيجة"، وتارة "شبيحة"، وتارة "زعران"، وأخرى "بلطجية"... 'لخ.

ولن أتحدث هنا عن هذا الصنف من البشر، لكني سأتحدث عن صنف آخر يَمقُت الظُلم كما يمقت الفَجرُ الظلام، ويكره الظالم كما تكره النار الماء، ولكنه وضع في ظرف معين أجبره على التصفيق بحرارة لتفاهةٍ ما كان لينظُر إليها لولا أن أجبرته الظروف، أو يخالف كل مدخولاته فيكيل المدح لتافهٍ أو ظالم؛ شراءً لحياته أو دفعاً لظُلم قد يناله هو في غنىً عنه، خاصة إذا لم يكن في ذلك التصفيق أو المدح ما يوقع ظلماً على الآخرين أو يثبّت حكماً لفاجر ظالم، وإنما كان بهدف دفع الأذى عن النفس كما حدث مع عمار بن ياسر عندما ذكر آلهة الكفار مرغماً لينقذ حياته "إلا من أُكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان".

يروي الدكتور فيكتور فرانكل (وهو طبيب أعصاب وطبيب نفسي نمساوي، وأحد الناجين من المحرقة، وأحد مؤسسي العلاج بالمعنى، الذي هو شكل من أشكال العلاج النفسي الوجودي) قصة حدثت معه في أثناء سجنه بالمعتقلات النازية في الحرب العالمية الثانية فيقول: "كان يُسمح للسجناء في بعض الأحيان التجمع في كوخ صغير ساعة من الليل ليرفِّهوا عن أنفسهم بالغناء والمسامرة، وكان أحد السجانين الغليظين الملقب بـ(الكابو القاتل)، وكان من أكثر السجانين إرهاباً.

وحدث أن دخل هذا الكابو يوماً على كوخ الترفيه الخاص بالأسرى وكان يجمع في وريقات له تخابيص بلهاء يسميها أشعاراً، وبسرعة أخرج نوعاً من دفاتر تدوين اليوميات وبدأ يقرأ منها عينات من فنه. فصرت أعضُّ على شفتي حتى آلمتني؛ كي أمنع نفسي من الضحك على أحد أشعاره عن الحب، ومن المحتمل تماماً أن هذا قد أنقذ حياتي. ولما كنت كريماً في تصفيقي له، فإن حياتي قد كتبت لها النجاة".

وتحضرني هنا قصة حدثت معي شخصياً: وهي أني لما كنت سجيناً في إحدى المرات، وفي ليلة من ليالي الشتاء البارد وإذا بباب الزنزانة يفتح وكُنا فيها 4 أسرى، قد عانوا ألواناً من العذاب، وكنت أوفرهم حظاً، حيث لم يتم إيذائي جسدياً؛ وذلك بسبب عدم وجود قضية أصلاً يُحقق فيها معي، رغم أن العذاب النفسي لدى سماع أصوات المعذبين وأنّات المشبوحين يكون أحياناً أقسى وأشد من العذاب الجسدي، وكم تمنينا في لحظات أن لو ضُربنا بالسياط بدلاً من سماعها وهي تنهش أجساد أصدقائنا!

فُتحَ باب الزنزانة فجأة، وإذا بمدير السجن بكرشه المتدلي ووجهة المكفهر يُطل من الباب، وقفنا أربعتنا لننظر أي داهية قد جادت علينا بها تلك الزيارة في ذلك الوقت المتأخر من الليل، وإذا به يُفاجِئُنا بسؤال: "هل تحبونني؟!"، ذُهلنا من غرابة السؤال.

ولأني كُنت أقلَّهم ألماً، وأحدثهم سناً، وأقربهم عهداً في السجن، فقد كنت الأجرأ على الإجابة، فقلت له: ولماذا أحبك؟! لأنك حرمتني حَنان الأُسرة وألقيتني في ظلام الزنزانة؟ أم لأنك تُجبرني على الاستماع لأنّات المعذبين كل لحظة؟ أم لأنك أجبرتني على إغلاق متجري وأوقفت رزقي ومدخولي؟ أم لأنك جعلت زوجتي وأطفالي يعيشون الحرمان ويقضون ليلهم باكين خائفين؟ أم... أم... أم... إلخ.

عندها بدأ وجهه يتغير ومعالمه تزداد اكفهراراً، وأيقنت حينها أنَّ السياط باتت تتشوق إلى ظهري، فتدارك عقلي الباطن جلل الموقف وأوعز إلى لساني ليعدل نبرة الحديث، فقلت له: "لكني في الوقت ذاته لا أكرهك؛ فليس معنى عدم الحب: الكُره. فأنت رجل طيب لم تؤذني ولم تشتمني، ويكفي أنك تأتي لزيارتنا والاطمئنان علينا".
حتى رأيتُ دخان رأسه قد وقف عن التصاعد، عندها أوقفت شريط مدائحي الكاذب، ومضت تلك الليلة على خير بفضل الله. "إنا لنَبُشُّ في وجوه أقوام، وقلوبنا تلعنهم".

فإن كنتَ ظالماً ورأيت مظلوماً يمتدحك فلا تركن لذلك؛ لأن قلبه بالتأكيد يلعنك، ولكنه يحاول درء سيفك عن رقبته بلسانه.

وإن كنت مظلوماً فاعلم أنَّ لك رخصة في أن يخالف نطقك قلبك دون نفاق، بشرط ألا تكون على ثغرٍ تؤتى به الأمة من قِبلك، ولا يكن عملك هذا فيه مضرة على الغير.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.