المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مضحي بن عبيد الشمري  Headshot

أخبار العرب مع الكتب والمكتبات

تم النشر: تم التحديث:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده، أما بعد:
فإن للعرب والمسلمين تاريخاً عظيماً وعلاقةً وثيقةً مع الكتب والمكتبات، مما يجعل المطالع لشيءٍ يسيرٍ من أخبارهم في هذا الشأن يقطع أنها قد بلغت في هذا مبلغاً لم تبلغه أمة من الأمم، ويكفي في ذلك شهادة أرباب القراءة من العلماء الغربيين لها، فهذا "وول ديورانت" يقول في كتابه (قصة الحضارة): "لم يبلغ حب الكتب في بلد آخر من العالم إلا في بلاد الصين في عهد منغ هوانغ ما بلغه في بلاد الإسلام في القرون الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر".
وقال أيضاً في موضع آخر من ذات الكتاب: "وكان عند بعض الأمراء كالصاحب بن عباد من الكتب بقدر ما في دور الكتب الأوروبية مجتمعة!".

ولا يداني تراث أمة الإسلام في الكتب والتصنيف تراث أي أمة من الأمم، وقد ذكر الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله- في الرقابة على التراث أن عدد ما بقي من المخطوطات التي خطتها أقلام أئمة المسلمين على الرغم من عاديات الأيام نحو ثلاثة ملايين مخطوط! هذا إذا تجاوزنا العدد الهائل من المخطوطات التي فُقِدَت بسبب الحروب والكوارث التي تبكي العين، وتدمي الفؤاد!

ولأسلافنا -رحمهم الله- من القصص والأخبار العجب العجاب في عشق الكتب والقراءة، حتى إن بعضهم كان يرى أن للقراءة وتذاكر العلم أثراً في الشفاء من الأمراض، كما جاء هذا عن أبي العباس ابن تيمية -رحمه الله- في كلام طويل رائع لابن القيم في "روضة المحبين" متحدثاً فيه عن بعض من يسميهم "عشاق العلم"، فقال رحمه الله:

"وأما عشاق العلم فأعظم شغفاً به وعشقاً له من كل عاشق بمعشوقه، وكثير منهم لا يشغله عنه أجمل صورة من البشر، وقيل لامرأة الزبير بن بكار أو غيره: هنيئاً لك إذ ليست لك ضرة، فقالت: والله لهذه الكتب أضر عليَّ من عدة ضرائر! وحدثني أخو شيخنا عبد الرحمن بن تيمية عن أبيه، قال: كان الجد إذا دخل الخلاء يقول لي: "اقرأ في هذا الكتاب وارفع صوتك حتى أسمع!"، وأعرف من أصابه مرض من صداع وحمى وكان الكتاب عند رأسه؛ فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غُلب وضعه، فدخل عليه الطبيب يوماً وهو كذلك، فقال: إن هذا لا يحل لك فإنك تعين على نفسك وتكون سبباً لفوات مطلوبك! وحدثني شيخنا -يعني اين تيمية- قال: ابتدأني مرض، فقال لي الطبيب: إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض، فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك، أليست النفس إذا فرحت وسرّت قويت الطبيعة فدفعت المرض؟ فقال: بلى، فقلت له: فإن نفسي تسرّ بالعلم، فتقوى به الطبيعة، فأجد راحة، فقال: هذا خارج عن علاجنا أو كما قال!".

وبلغ حب الكتب والقراءة في نفس أبي عمر الإشبيلي -ابن المكوى- مبلغاً عظيماً، حتى بلغ من ذلك ما حكاه عياض في ترتيب المدارك أنه ذُكِر أن صديقاً له قصده في عيد زائراً له، فأصابه داخل داره ودربه مفتوح، فجلس منتظراً إياه، فأبطأ عليه، فأوصى إليه فخرج وهو ينظر في كتاب، فلم يشعر بصديقه حتى عثر فيه لاشتغال باله بالكتاب، فتنبّه حينئذٍ له، وسلم عليه، واعتذر إليه من احتباسه بشغله بمسألة عويصة لم يمكنه تركها حتى فتحها الله عليه، فقال له الرجل: في أيام عيد ووقت راحة مسنونة؟ فقال: والله ما لي راحة ولا لذة في غير النظر والقراءة!

وإن تعجب فاعجب من حال ناصر الدين شافع بن علي الكناني، فقد جاء في ترجمته في الدرر لابن حجر:
"اشتغل، وسمع الحديث، وأخذ عن الشيخ جمال الدين ابن مالك، وتعانى الأدب، وأتقن الخط والنظم والإنشاء، وكتب في الديوان زماناً، ثم أصابه سهم في وقعة حمص في صدغه سنة ٦٨٠ فكان سبب عماه، فلزم بيته، وكان يحب جمع الكتب، حتى إنه لما مات ترك نحو العشرين خزانة ملأى من الكتب النفيسة، ومات في شعبان سنة ٧٣٠، وكان من شدة حبه للكتب إذا لمس الكتاب يقول: هذا الكتاب الفلاني، ملكته في الوقت الفلاني، وإذا طلُب منه أي مجلد كان، قام إلى الخزانة فتناوله كأنه كما وضعه فيها!".

ولا يريبك أيها القارئ ما ترى من تحذير بعضهم من المبالغة في جمع الكتب، فإن الأحوال ثلاثة، جامع للكتب وقارئ فيها، فذاك الزبد مع الشهد، والخير على الخير، والحالة الثانية فيمن يجمع الكتب ولا يقرأ فيها، فهذا خير مما لا يجمع ولا يقرأ، ولعل جمعه للكتب يحفزه على قراءتها فيما بعد، أو لعله يحفز أولاده أو من كان حوله، وفي قريب من هذا يقول أبو محمد بن حزم -رحمه الله- في رسالة "مراتب العلوم": "ولولا الكتب لضاعت العلوم ولم توجد، وهذا خطأ ممن ذم الإكثار منها، ولو أُخذ برأيه لتلفت العلوم، ولجاذبهم الجهال فيها، وادَّعوا ما شاءوا، فلولا شهادة الكتب لاستوت دعوى العالم والجاهل!".

والكلام في هذا يطول، وأخبارهم مع الكتب والمكتبات لا تنتهي، وكتب التراجم تزخر بالأعاجيب في هذا الباب، ولعل في هذا إلماحة يسيرة، وفَّقني الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلّ اللهم وسلّم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.