المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

معاذ حسن العامودي Headshot

كل شيء بانفجاع في غزة

تم النشر: تم التحديث:

على باب غرفة الاستقبال في مستشفى الشفاء خلال الحرب الأخيرة على غزة 2014 صرخ عجوز بصوت مرتفع "الله أكبر... الله أكبر" وبدأ يبكي حزناً على أبنائه الذين استشهدوا في قصفٍ لبيتهم على أطراف حي الشجاعية شرق مدينة غزة... نفس العجوز رأيته بعدها بساعات يصرخ "الله أكبر... الله أكبر" ويبكى من شدة الفرح حين أعلنت المقاومة الفلسطينية عن اختطاف أحد الجنود الإسرائيليين شرق حي التفاح.

مفارقة عجيبة لانفجاع غير متوازن... تجاعيد وجه العجوز في كلتا الحالتين تعطيك ملخصاً سريعاً لهذه الحالة التي يعيشها المواطن العربي بشكل عام، والمواطن الفلسطيني على وجه الخصوص، والذي فقد الثقة بكل من حوله من المسئولين على الصعيد المحلي والخارجي، بعد اختلاط لحظات الفرح بلحظات الحزن بطريقة معقدة غريبة.

لم يستطع الفلسطيني عبر سنوات طويلة أن يُكْمِلَ مشواره أو أن يحقق حلمه، فحياته لم تكن مستقرة على الدوام، وكان دائماً يراهن على الوقت لتغيير الحال، وعلى قولة المثل: (الدنيا ما بتخلِّي الراكب راكب ولا الماشي ماشي)، لكن الغريب أن خيار الرهان على الوقت البسيط والوحيد، انتقل إلى صانع القرار السياسي الفلسطيني، فأصبح خيارهم الأهم وأحياناً الأوحد، مثلهم مثل المواطن البسيط الذي لا حول له ولا قوة.

ما عادت المؤسسات الرسمية الفلسطينية ذات طابع ديمقراطي حسب الأنظمة والقوانين الدولية للديمقراطية، فالمجلس التشريعي ومن قبله الرئاسة ومن قبلهما منظمة التحرير جميعها انتهت فترتها الدستورية، وأصبح بقاؤها في هذا المكان دون إعادة انتخاب يمثل حملاً ثقيلاً على المواطن، أو بقاء هذه المؤسسات على شاكلتها ضمن مصالح متبادلة داخلية وخارجية تضمن بالحد الأكبر رضاء الطرفين، والغريب أن داخل هذه المؤسسات تكونت قنوات وتحالفات شديدة التنافس والحقد، تجمع كل المتناقضات في آن واحد، وكل هذه التناقضات تنعكس سلباً على المواطن الفلسطيني لتزيد من تناقضات حياته.

سيدة فلسطينية تنتظر منذ الفجر على معبر "إيرز" في باصات الصليب الأحمر قبل الإذن لها بالدخول لفلسطين المحتلة وزيارة ابنها الأسير في سجن عسقلان، والمحكوم بالمؤبد، لتعود آخر النهار وقد خالط فرحتها آلاف شوائب الحزن، بعدما رأت ابنها في هذه الحالة، وأكثر ما أفرحها رؤيتها له فقط، وقد حضَّرت آلاف الحكاوي والحواديث المخزَّنة منذ الزيارة السابقة قبل شهور عن كل أقاربه وأحبابه.

حين فكَّر الفلسطيني الخروج من عنق الزجاجة رأى عنقه داخل بالون صغير، لا يشبه أي شيء، ولا شيء منتظم خلاله سوى عقارب الساعة في يده، بدأ يلملم بقايا ألمه وفتات فرحه، من بيته الذي هدم أو ابنه الذي قتل، أو ابنته التي حصلت على أعلى الدرجات، ولم يستطع تعليمها الطِّب بسبب الفقر أو المعابر..

كل أفراحنا منقوصة، كأنها أكياس معونة تأتي على شكل انفجاعات غير دورية، وكذلك أحزاننا تأتي بدون مواعيد مسبقة، وتأتي جُملَةً واحدة... لا شيء منتظم.