المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى نمر  Headshot

قيامة أرطغرل بين الواقع والخيال

تم النشر: تم التحديث:

في مساء الأربعاء الموافق 10 من ديسمبر/كانون الأول عام 2014 بدأت أولى حلقات المسلسل التركي قيامة أرطغرل تذاع على التلفاز التركي، ولم يكن يعلم القائمون على هذا العمل أن المسلسل سيحرز نجاحاً كبيراً منذ الأسابيع الأولى لانطلاقته، فقد حطم المسلسل أرقاماً قياسية كبيرة من حيث نسبة المشاهدة في تركيا والعالم أجمع، فحين تمر بشوارع إسطنبول وقت إذاعة المسلسل تجدها خاوية على عروشها، وكأن مَن بها قد هُجّروا إلى مكان آخر.

كان هذا العمل الفني رداً على أعمال فنية أخرى اقتصرت حياة الدولة العثمانية في الترف والقصور وملذات الحياة، متناسين ما قامت به الخلافة العثمانية وقادتها وما قدمته للإسلام من فتوحات وتمكين على مدار ستة قرون.

تدور أحداث المسلسل في القرن الثالث عشر؛ حيث كان المسلمون يعانون الكثير من المشكلات، خاصة ضعف الخلافة العباسية، وهي ملجأ المسلمين في كل مكان من جهة، ومن جهة أخرى أعداء الدين من مغول وصليبيين، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وكانوا بانتظار قائد بطل يغير الله على يديه مجريات الأمور؛ حيث ظهر أرطغرل متحدياً كل الظروف، فكان رحمة للمسلمين، وبلاءً على أعدائه.

أرطغرل بن سليمان شاه، والد عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية، وقائد قبيلة كايي من أتراك الأوغوز الذي كان له الفضل في مواجهة الروم والمغول، والتأسيس لقوة العثمانيين ووضعهم حجر الأساس لبناء الدولة العثمانية، أرطغرل الذي سطر بسيفه ومحاربيه الأبطال بحروف العزة والكرامة تاريخاً لم ينسَه العالم ولن ينساه.

وعلى الرغم من المميزات الكبيرة لهذا العمل الفني؛ حيث لفت أنظار العالم أجمع إلى حقبة مهمة جداً في تاريخ المسلمين وذكّرهم بأجدادهم الأبطال، فكثير منا لم يكن يعلم من هو أرطغرل قبل إذاعة المسلسل، بث روح العزة والكرامة في نفوس المسلمين الظمآنة منذ زمن لهذه المعاني، لا سيما في هذا التوقيت الذي تكالبت علينا فيه شرار الخلق، فالمسلسل تدور أحداثه عن الفتوحات والغزوات، وكيف كان المسلمون أصحاب بأس وقوة في زمن لم يكونوا يملكون فيه سوى سيوفهم وإيمان بالله في قلوبهم، رغم كل هذا لم يسلم المسلسل من الانتقادات الشديدة طيلة فترة عرضه، التي كان أغلبها يدور حول بعض المخالفات الشرعية، والبعض الآخر حول أخطاء تاريخية ومبالغات درامية.

فعلى سبيل المثال انتقد البعض ظهور بعض الممثلات بدون حجاب وأشياء أخرى يرونها مخالفة للشرع، كبعض تصرفات ابن العربي الأندلسي الصوفية، ولست بصدد نقاش مثل هذه المسائل هنا، فلها أهلها، وآراؤهم حتماً تُحترم.

ورأى البعض الآخر مغالطات تاريخية مثل صداقة أرطغرل وابن العربي الأندلسي، فقد أجمع المؤرخون على أنهما تعاصرا (وجدا في نفس الزمن)، لكنهما لم يلتقيا قط، فقد عاش ابن العربي في دمشق، وأرطغرل في أطراف حلب، وإن كان بالفعل هناك أخطاء تاريخية موجودة، فهذا لا ينفي الحقبة وأحداثها ومدى تأثيرها على العالم أجمع، فكانوا كالذي ترك قراءة كتاب؛ لأن لون الغلاف لا يعجبه.

أما المبالغات الدرامية من حيث المماطلة في الأحداث واستخدام التشويق والإثارة، فكان لا بد منها؛ كي يخرج العمل بهذه الصورة، وكي يعيش المشاهد الانفعالات كما لو كان موجوداً في هذه الحقبة، أما سرد التاريخ دون دراما فنجده فقط في الأفلام الوثائقية.

وقد استغرب البعض الآخر استطاعة خمسة محاربين (أرطغرل ورفاقه) هزيمة كتيبة مكونة من أكثر من عشرين محارباً مبالغة، كيف لا وقد كان عهد المسلمين الأوائل في غزواتهم قلة عددهم وقوة إيمانهم؟! فلم نسمع عن غزوة انتصر فيها المسلمون بسبب الفارق العددي؛ بل فقط بإيمانهم بالله وأخذهم بأسباب النصر.

أما المبالغة الأخيرة التي لفتت انتباه الجميع كانت دور ابن العربي الأندلسي الذي صوَّره المسلسل بأنه حالة وسطيه بين البشر والملائكة، فحين يقع أرطغرل في مصيبة كبيرة كان يأتي ويكون له دور في خلاصه منها؛ بل كانت رؤية أرطغرل له في منامه قبل غزواته بمثابة بشرى له بالنصر، وأنا أرى هنا أن دور ابن العربي قد جسد معية الله التي ترافق دائماً عباده الصالحين المجاهدين وبشريات الخير التي كانت بلسماً يرسله الله لعباده وقت الشدائد.

وأخيراً وجود عمل كهذا يعكس أن هناك مَن فهم ووعى أهمية سلاح الإعلام ووجوب استخدامه في زمن التكنولوجيا والسماوات المفتوحة، فكم من عقول مُسخت هويتها بالإعلام، ولا يخفي على عاقل ما يبث ليل نهار من سموم تدخل بيوتنا بإرادتنا عن طريق الإعلام؛ لتغسل أدمغة الصغار وتعيد توجيه الكبار، فظهر الإلحاد والكفر بالله عياناً بياناً؛ بل أصبح البعض يفتخرون به، وانتشر الشذوذ والفحش وفتحت القنوات، وأنفقت الأموال لمحاربة الإسلام ليل نهار؛ بل وجه الغرب إعلامه لصناعة أفلام تعكس مدى قوة جنوده لإرهاب المسلمين،

فنرى أميركا تصنع أفلاماً زائفة عن قوة جنودها وما فعلوه في بلاد المسلمين؛ بل صوروا المسلمين أنفسهم في تلك الأفلام بأنهم خونة وضعفاء وجبناء، وهذا للأسف ما صدقه كثير من المسلمين، ولو نطقت جبال أفغانستان وشوارع الفلوجة لقصَّت علينا ما لا يستوعبه عقل من صنيع المسلمين المجاهدين الأحرار بفئران أميركا وأعوانها.

ولعل هذا العمل بداية سلسلة أعمال تروي تاريخنا الزاخر بالأبطال والبطولات الحقيقية التي لو عاصرها المنتقدون، لعلموا أن مثل هذه الأعمال رغم ما بها من مبالغات من وجهة نظرهم لم تعكس ربع الأحداث الحقيقية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.