المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى الحسيني Headshot

المسلمة التي أربكت المشهد الأمريكي

تم النشر: تم التحديث:

بروكلين - نيويورك / يناير/كانون الثاني 2014

قابلتها للمرة الأولى؛ لأدرك حينها أن تلك المرأة سيصبح لها شأن عما قريب، أجريت معها المقابلة الصحفية وتوطَّدت علاقة صداقتنا منذ ذلك الوقت، التقيت بها كثيراً بعد ذلك وعلمت أن نجاحها في تصدير صورة جديدة للمرأة المسلمة الأميركية الناشطة سيغضب الكثير ممن لا يريدون لتلك الصورة أن تسود في المجتمع الأميركي، أو تتعدى إطارها المفترَض من وجهة نظرهم.

مانهاتن - نيويورك / منتصف 2016

تتحدث القنوات الأميركية كثيراً عن تلك المسلمة الفاعلة التي تتواجد في كل خطوة مع المرشح الرئاسي بيرني ساندرز، وجه جديد وقوي لحملة السيناتور ساندرز، وتكهنات بأن تلك المرأة من الممكن أن تكون قوة جديدة ناعمة لمجتمعها العربي الإسلامي أو لوطنها الحالي أميركا.

يخسر ساندرز، صاحب التوجه الاشتراكي الانتخابات التمهيدية في الحزب الديمقراطي أمام هيلاري كلينتون، تتجمد أحلامها لأيام ثم تظهر من جديد بقوة وثبات داعمة لهيلاري بعد تواصل حملة الأخيرة معها.

واشنطن العاصمة / يناير 2017

أكبر تظاهرات في تاريخ أميركا، وأكبر حشد نسائي حول العالم يخرج في تظاهرات واسعة في يوم محدد هي إحدى الداعيات والمنظمات لذلك الحدث الذي هزَّ المجتمع الأميركي في ثاني أيام تنصيب ترامب، وأعاد تذكير المتعصبين الكامنين داخل العقل الأميركي بأن تلك المرأة قد فاقت قدرتها حجم تقديرهم بكثير؛ لتبدأ حملة واسعة للتنقيب في حياتها الشخصية وسط افتراءات شعواء بأنها ضد السامية ولها صلات بمنظمات إرهابية "وهو اتهام له ما وراءه في أميركا"، الحملة المسعورة تشتد، لكن التضامن يغزو وسائل التواصل الاجتماعي في أميركا والعالم وسط رسائل دعم من كافة الأقليات داخل المجتمع الأميركي، التي قدمت لها تلك المرأة الكثير في الماضي؛ ليبدو أن وقت ردّ الجميل قد حان مبكراً.

عن ليندا صرصور أتحدث..

فلسطينية أميركية مسلمة تبلغ من العمر 36 عاماً، وُلدت في أميركا لأبوين فلسطينيين، وهي المدير التنفيذي للجمعية العربية الأميركية في بروكلين نيويورك، وناشطة حقوقية مدنية تدافع عن حقوق الأقليات والمهمَّشين في قضايا الهجرة وتسجيل الناخبين والاعتقال الجماعي والإسلاموفوبيا، وأيضاً سياسة الشرطة تجاه المسلمين والعرب والسود.

ليندا، امرأة من طراز خاص، فهي مسلمة محجبة، ولا تتوانى عن إظهار هويتها العربية مع التأكيد على اعتزازها بوطنها الأميركي، كما أسهمت ليندا بشكل كبير هي وبعض المؤسسات الإسلامية في انتزاع العديد من الحقوق، أهمها تفكيك برنامج شرطة مدينة نيويورك للتجسس على مسلمي المدينة، سواء عبر التنصت على مكالماتهم أو عبر التجسس على مساجدهم، وأيضاً اعتماد عيدَي الأضحى والفطر عطلتين رسميتين بالمدارس العامة في نيويورك، بعد مفاوضات طويلة وجهد كبير امتد على مدار عشر سنوات من التفاوض مع بلدية المدينة ومكتب عمدتها.

ليندا، ناشطة تعي معنى الحقوق ومدلولها؛ لذا لم تكتفِ بالذوبان داخل مجتمعها العربي الإسلامي للدفاع عن أفراده، لكن تفاعلها امتد ليشمل السود واللاتينيين وكل الأقليات التي تتعرض لعنصرية ظاهرة أو خفية، وهذا ما جعل ليندا من أنشط الأعضاء في حركة الدفاع عن حقوق السود الشهيرة "Black Lives Matter"، كما قامت ليندا بتدشين حملة لجمع التبرعات لإعادة بناء كنائس للأميركيين السود كان قد تم إحراقها عقب سلسلة من الحوادث العنصرية تجاه مرتادي كنائس للسود في بعض المدن الأميركية، وقد تمكّنت الحملة من جمع حوالي مائة مليون دولار أميركي لإعادة بناء تلك الكنائس التي تضررت مسبقاً، كما نظمت ليندا مسيرة وتظاهرة كبيرة خرجت من نيويورك إلى واشنطن على مدار تسعة أيام، لتخليد ذكرى السود الذين قتلتهم الشرطة الأميركية.

ليندا، حقوقية تتجاوز حدود مساحتها المكانية؛ لتبحر بعيداً حاملةً معها دفاعها المستمر عن الحقوق الفلسطينية في كل مكان، وهو ما جعل العديد من الأصوات الأميركية صاحبة الولاء لإسرائيل تئن ألماً من جراء مساحات الحركة والتأييد التي تخسرها تباعاً، خاصة داخل الشرائح الأصغر سناً لصالح ليندا والقضية الفلسطينية.

لكل هذا لم تكن الهجمة المسعورة من اللوبي الصهيوني تجاه ليندا بعد تنظيمها مسيرات واشنطن مستغربة، فمثل تلك الأيقونة وتفاعلها العميق مع مجتمعها تسبب صداعاً مزمناً لراغبي حصر التفوق الأميركي في مشهد لا وجود فيه لـ"امرأة محجبة" تحمل "اسماً عربياً" و"هوية إسلامية".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.