المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى الأعصر Headshot

محمد صبحي الذي كنتُ أحبه

تم النشر: تم التحديث:

جاءت ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 وتبعاتها، بإجابات لأسئلة كثيرة وطرح أسئلة أخرى، وضّحت بعض الغموض الذي يحيط بالانحيازات السياسية لبعض الفنانين، خاصة أولئك الذين طالما اشتهر عنهم انخراطهم بالسياسة ومعارضتهم للنظام، وكذلك انشغالهم بأعمال هادفة، يأتي على رأس هؤلاء الفنان محمد صبحي، وهو فنان مصري اشتهر بين جمهوره بثقافته ورؤيته النافذة وآرائه المعارضة وأعماله الهادفة السياسية التي تعارض النظام في أحيان كثيرة.


مَن هو محمد صبحي؟

محمد صبحي هو ممثل ومخرج مسرحي بالأساس، درس التمثيل والإخراج بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وله عدد من المسرحيات الناجحة بالمقياس الجماهيري، بخاصة تلك التي قدمها مع شريكه المؤلف لينين الرملي، مثل: "علي بيه مظهر" و"تخاريف" و"انتهى الدرس يا غبي"، وله أعمال مسرحية لها زاوية سياسية في طرحها، الأمر الذي شكّل جزءاً من الصورة الذهنية لمحمد صبحي لدى جمهوره كممثل مثقف له مبدأ ورأي مستقل، يشاركهم آلامهم ويدري بما يحدث على الصعيد الداخلي والخارجي للبلاد، ويتابع الأزمات العربية وتدخل الغرب في سياسة الدول العربية، ويأتي ذلك بوضوح في مسرحيات "ماما أمريكا" و"سكة السلامة"، بالإضافة لعدد من المسرحيات الأخرى ذات الصيت الجماهيري والكتابة المسرحية الجيدة التي لا تخلو من الصبغة السياسية مثل "الجوكر" و"الهمجي".. وغيرها.



لم يكن محمد صبحي ممثلاً ومخرجاً مسرحياً فقط، إنما قدّم أعمالاً سينمائية مميزة، بداية من أدواره في أفلام "وراء الشمس" و"الكرنك"، وهي الأفلام التي ناقشت الوضع السياسي في الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي، ومظاهرات الطلبة والتربص بالحركات السياسية الناشئة المعارضة لنظام ناصر، وكذلك الانتهاكات التي لجأ لها النظام وقتها، ومشاهد تضمنت اعتداءات أو تعذيباً داخل السجون. ثم لاح نجمه كممثل يمتلك أدواته بشكل جيد ليقدّم مجموعة من الأفلام السينمائية الناجحة، ناقشت الأوضاع الاجتماعية في مصر مثل "هنا القاهرة" و"العبقري خمسة"، وبرز كممثل كوميدي بتقديم مجموعة من الأفلام الكوميدية أيضاً أشهرها "العميل رقم 13" و"الشيطانة التي أحبتني". إلا أن الفنان اختار الابتعاد عن الشاشة الكبيرة في بداية التسعينات وهو في أوج تميزه؛ ليخرج في البرامج التلفزيونية في الألفية الجديدة، يوضّح أن سبب بعده عن تقديم الأعمال السينمائية هو عدم وجود "سيناريو" قوي يجذبه كفنان، وأن السينما بدأت وقتها في تقديم أعمال مسفة، وعُرض عليه عدد من الأعمال وقتها لكنه رفض تقديمها؛ لتساهم هذه التصريحات في تكريس الصورة الذهنية لدى جمهور الفنان، على أنه صاحب المبدأ الذي رفض المال والمزيد من الأعمال السينمائية حتى لا يخالف مبادئه، وهو أمر لا يخلو من الصحة.

بعد أن توقف الفنان عن تقديم الأعمال السينمائية، وجّه جهده للمسرح وكذلك الأعمال الدرامية التلفزيونية، فساهم بمسلسلات ذات طابع سياسي مثل "فارس بلا جواد"، أو مسلسلات ناقشت الأزمات الاجتماعية والسياسية للمجتمع المصري، ويأتي على رأسها المسلسل الأبرز للفنان، وأحد الأعمدة الأساسية في تشكيل الصورة الذهنية عنه، "يوميات ونيس"، وهو العمل التلفزيوني الذي أزعم أنه ساهم بشكل كبير في تشكيل فكر جيل الشباب الحالي.

محمد صبحي آخر

فضّلت أن أبدأ بتلك المقدمة الإنشائية؛ لأقدم ملخصاً عن أعمال الفنان محمد صبحي وتوجهاته السياسية، كمدخل يسّهل على القارئ فهم ما سيأتي بعد قليل.

بدأت علاقتي بمحمد صبحي منذ كنت في المرحلة الإعدادية؛ إذ كنت أرى فيه الممثل الحق، أتابع أعماله التلفزيونية والمسرحية عن كثب، تفاعلت مع ونيس وأولاده، وساهم المسلسل في تكوين عدد من الأفكار والقيم بداخلي، وفي المرحلة الثانوية ازداد حبي له، وصرت أبحث عن أعماله جميعها وأشاهدها مراراً وتكراراً، خاصة الأعمال المسرحية، وبلغ حبي للرجل درجة جعلتني أنتظر لقاءاته التلفزيونية وأقوم بتنزيلها على الحاسوب الخاص، ووضعها داخل الملف الخاص الذي أنشأته لصبحي وأعماله.


كان ذلك قبل ثورة يناير 2011 ببضع سنوات، وفي العام 2009 دخلت الجامعة ودرست الإعلام والصحافة، وانضممت إلى مسرح الجامعة، وكنت أرى أمامي محمد صبحي في تدريبات المسرح، أرغب في العمل معه وأتمنى مقابلته، حتى حانت الفرصة في العام التالي ونجحت في تسجيل تقرير تلفزيوني مع محمد صبحي وفريق عمله الذين شاركوه في مسلسل ونيس وأغلب أعماله، عندما عُدت إلى المنزل كنت أشعر بانتصار جميل وسعادة عارمة بمقابلتي لشخص طالما أحببته وتابعت ما قدمه عن كثب.

جاءت ثورة يناير 2011 وما تلاها من أحداث، كمقياس جديد لاحترامي وتقديري للأشخاص على الجانب الفني أو السياسي أو أياً كان، وعلى رأس هؤلاء جاء محمد صبحي بكل تأكيد، وكأن محمد صبحي الذي تابعته بعد الثورة هو شخص آخر غير ذلك الذي طالما عرفته قبل الثورة، أو ربما لأن حبنا للأشخاص قد يُعمي أعيننا في بعض الأحيان عن رؤية الحقيقة جالية.

كانت الثورة حدثاً استثنائياً ومربكاً للشخصيات العامة، نجح بعضهم في مسايرة الأمور، وفشل البعض الآخر، انحازوا إليها حيناً، وإلى النظام في أحيان أخرى، حالة من التخبط وعدم الانحياز غير المفهومة، إلا أن تبعات الثورة والأحداث التي تلتها وضّحت الكثير من الأمور، فظهرت العديد من الأزمات الأخلاقية التي توضّح حقيقة الأشخاص وماهيتهم، وبالنسبة لي لم ينجح الفنان في الحفاظ على الإرث الذي صنعه وزرعه في عقول جمهوره، بل خسره بكل سذاجة؛ ليتحول لأيقونة للسخرية في الأوساط الشبابية والسياسية، عن مدّعي الأخلاق والمثالية، ومتاجري القيم والمبادئ.

كيف حدث هذا التحول؟

كنت أتساءل دوماً: كيف حدث هذا التحول الغريب؟ كيف تحول الفنان المثقف المعارض، الذي قدّم "ماما أمريكا" وتخاريف" و"وجهة نظر"، والذي قلّد الرئيس المعزول محمد حسني مبارك في إحدى مسرحياته، كيف تحول إلى مؤيد للنظام الحالي، أو على الأقل التزم الصمت في مواقف أخلاقية اعتدنا أن تتعالى بعدها الأصوات؟

يمكنني الجزم بأنني كنت صغيراً كفاية للدرجة التي تجعل حبي لشخص ما، أتجاهل سيئاته وسقطاته الفنية والأخلاقية والسياسية، يمكنني الجزم بأنني -وهناك آخرون مثلي- كنت ضيق الرؤية ومحدود الأفق لقراءة المستقبل القريب، أو ما وراء التصريحات الرنانة أو المواقف السياسية الزائفة.

لطالما استخدم النظام المصري الفنانين في دعم القرارات التي يتخذها بهدف توجيه الرأي العام، ولكن أن يكون محمد صبحي أداة في يد هذا النظام الذي افترضنا سلفاً معارضته له، أمر غريب وتخبط غير مفهوم، كيف يدعم الفنان النظامَ العسكري؟ وكيف لا يتكلم عن المذابح التي تحدث؟ والتربص برجال السياسة وشبابها؟ كيف لا يتحدث عن التعذيب في السجون والاعتقالات العشوائية؟!

أدركت متأخراً أن محمد صبحي لم يكن يوماً معارضاً، أو رجلاً ذا مبدأ ثابت مثلما افترضت فيه، أو ربما أخطأت في وضعه في مكانة ليست مكانته، فالرجل لم يقدّم نفسه كسياسي، وإنما مجرد فنان له رأي لا يجب أن نأخذه على محمل الجد، وفي النهاية ستبقى أعماله الفنية بينما لن يتذكر أحد مواقفه السياسية.

من الأشياء المهمة التي ساهمت الثورة في تغييرها بشكل قوي، هي تلك النظرة إلى الفنانين وتصنيفهم وقولبتهم، ولن نجد مثالاً أوضح من محمد صبحي أمامنا، الفنان الذي تحول من أيقونة للقيم والمبادئ، إلى أيقونة للسخرية من مدّعي القيم والمبادئ والمثالية والأخلاق.

الشاهد هنا، أنه لا عيب في المراجعات الفكرية والذاتية، كل شيء قابل للتغيير، ولا عيب في الاعتراف بالخطأ أو بسوء تقدير المواقف والأشخاص، لا أتبرأ ولم أنكر يوماً حبي الجمّ لمحمد صبحي في مرحلة ما من حياتي، ومساهمته في تشكيل جزء منّي، وكذلك لا أدافع عنه كشخص خدعني بشكل شخصي، ولا أدافع عنه كونه لم يكن كما حسبته، الخطأ كان منّي في البداية، وأنا مَن يجب أن يتحمل النتيجة.

- مصدر هذه التدوينة من موقع ألترا صوت

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.