المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى الأعصر Headshot

دولة عبد الناصر وحق السلطة المكتسب!

تم النشر: تم التحديث:

كان عبد الناصر محظوظاً بحق، خاصةً بإعلامه كما قال عنه السيسي، فتلك الفترة التي جلس فيها على رأس السلطة، كان من السهل التلاعب بالعقول وزرع الأفكار المزيفة، كان سهلاً على السلطة الجديدة أن تحتكر الوطنية وترفع شعارات الاستقلال ومحاربة المحتل الأبيض الأجنبي، وكان واجباً وطنياً على الشعب أن يؤمن بالضباط الأحرار وسعيهم نحو دولة حرة مستقلة.

كل متطلبات المرحلة تشير إلى تشكُّل صورة -ولو وهمية- لزعيم وطني أوحد جاء من فئة البسطاء الأراذل بشعارات الاشتراكية الجديدة والعدالة الاجتماعية والتحايل على الفقراء، أضف إلى ذلك خروج مصر من تجربة ملكية مكتظة بالفساد والمفسدين وبائعي التراث والتاريخ للمحتل والراكعين أمام أرجل الإنكليز.

لا سبيل للفشل في تلك المرحلة الجديدة، ولا مكان للمعارضة، فمن يعارض السلطة الجديدة يكون بمثابة خائن للوطن ومؤيد للاحتلال وللملكية، بما فيها من ظلم وتوحُّش للطبقة الأرستقراطية وفروق شاسعة بين الطبقات الاجتماعية. استغل النظام العسكري الجديد هذه الخطة من أجل الترويج لأفكاره أو تبرير فشله في إدارة البلاد، فمن يعارض يُصنّف كخائن من فلول الملكية الأوباش. واستمرت تلك الفكرة بتحوير بسيط على مر العقود الماضية، ففي كل عهد عسكري يكون دافع البقاء هو الدفاع عن الوطن ضد الخونة في نظر النظام، تلك النظرة التي يروج لها الإعلام بكل سذاجة وغباء.

ففي وقت ما يكون الغني خائناً، والمناداة بالشيوعية ومشاع الموارد الطبيعية وإعادة توزيع الثروات واجباً وطنياً، وفي وقت آخر يكون الشيوعي فقيراً معدماً حاقداً على الأغنياء، خائناً لتجربة الانفتاح الجديدة ويسعى لإفشالها، وفي مرة أخرى تكون فزاعة الإسلاميين ومحاربة الإرهاب، ففي كل وقت يجد النظام العسكري لنفسه عدواً داخلياً يقدر على مجابهته ومحاربته؛ ليعطي لنفسه شرعية البقاء.

كان النظام الناصري أكثر حظاً أيضاً؛ بسبب تأييد عدد من مثقفي المرحلة للتجربة الجديدة، فنجد روائيين كيوسف السباعي ممن كرّسوا كتاباتهم من أجل منشورات دعائية لنظام عبد الناصر وزرع صورة الملكية الموحشة في العقول، أو حتى نجد القصائد البديعة التي كُتبت في رثائه من شعراء العصر وإن كانوا من المعارضين، كتلك التي كتبها الأبنودي في رحيل عبد الناصر بعنوان "يعيش جمال عبد الناصر"، بالإضافة إلى المناهج التعليمية التي تسعى لتمجيد النظام في كل وقت وكل حين وفي شيطنة الملكية وتحميلها كل المساوئ، وتبرئة العسكرية من كل عيب ونزاهتها عن كل خطأ.

كل تلك الأسباب شكّلت صورة ذهنية في العقول عن مدى وطنية وعظمة النظام ما بعد 1952، ولكن بصورة أوضح نجد أنه لم يختلف كثيراً عن ممارسات الملكية، خاصةً بالادعاءات التي جاء بها من أجل حماية الفقراء وتحقيق العدالة الاجتماعية، فتحولت الطبقة الأرستقراطية إلى أخرى من الضباط المغتصبين لكل حق، فقط اختلفت الأسماء وبقت الأهداف كما هي.

الأزمة الأخرى، أن النظام العسكري الذي بدأه عبد الناصر يتعامل مع مفاهيم الوطنية والانتماء على أنها حكر على جماعته، ويتعامل مع السلطة على أنها حق مكتسب انتزعه من براثن الإنكليز والملكية؛ ومن ثم فليس من حق أحد أن يطالب بتلك السلطة، وبدأ بعد ذلك يحدث الخلط الكبير ما بين مفهوم السلطة ومفهوم الوطن، فيتم التعامل مع رجال السلطة على أنهم رموز الوطن؛ بل الوطن نفسه، الأمر الذي يجعل نجل عبد الناصر يتحدث عن أبيه مطالباً كل من لا يحب عبد الناصر بأن يترك البلاد، وكأن تلك البلاد بيعت في الشهر العقاري لعبد الناصر ورجاله!

هذا المفهوم المنقوص توارثه الحكام عبر العصر الحديث حتى إنه في السنة الوحيدة التي نالت مصر فيها حكماً مدنياً، خرج نجل محمد مرسي بالنبرة الغبية نفسها مدافعاً عن والده بقوله: "اسمه سيادة الرئيس يا بغل"!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.