المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى الأعصر Headshot

رابعة العدوية.. لا تُصالح على الدم حتى بدم!

تم النشر: تم التحديث:

عن رابعة العدوية وميدانها:
يقولون إن لكل شخص نصيب من اسمه، وأقول إن لكل اعتصام نصيب من اسم ميدانه، فميدان التحرير كان شعلة التحرير من قبضة الجبروت، وكذلك الرمز الديني رابعة العدوية، المتصوفة الإسلامية التي ذاقت الأمرّين في حياتها، ربما لم تكن صدفة ليختار الإخوان المسلمون هذا الميدان بالتحديد ليكون مقر اعتصامهم، هم أيضاً عانوا الأمرّين في حياتهم، عندما سُئلت رابعة العدوية هل تكرهين الشيطان؟ قالت "إن حبي لله قد منعني من الاشتغال بكراهية الشيطان" ولكننا لسنا برابعة، نحن ننشغل كثيراً بكراهية الشيطان، ألم يكن السبب في طردنا من الجنة؟ ألم يكن السبب في أول جريمة قتل تقع على الأرض؟ إنها مهمة الشيطان الأولى، سفك الدماء، فما بالك بمن سفك دماء أكثر من 1000 شخص في أقل من 24 ساعة!

المشهد الأول:
لم نغفر للرئيس السابق محمد مرسي فشله في تنفيذ وعوده الرئاسية في السنة الأولى من حكمه، وعلى رأسها "خطة الـ 100 يوم الأولى"، ولكننا غفرنا للسيسي وأتباعه تسخير الجيش المصري من أجل "مصالح شخصية" كما قال "لن أترشح للرئاسة ولن أسمح للتاريخ بأن يكتب أن جيش مصر تحرك من أجل مصالح شخصية".

المشهد الثاني:
الأربعاء 24 يوليو/تموز 2013، خرج حينها وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي على شاشات التلفزيون، وطالب الشعب المصري بالنزول إلى الشوارع يوم الجمعة لتفويض الجيش والشرطة لمواجهة العنف والإرهاب المحتمل، وتابع حديثه "الجيش المصري جيش محترم وأسد بجد، والأسد لا يأكل أولاده"، الأسد لا يأكل أولاده، ولكن يقتلهم بدمِ بارد في الميادين بعد خطاب ديماغوغي تبعه مقايضة قذرة على الأمن والأمان الذي فشل لاحقًا في تحقيقه.. {وقال فرعون ذروني أقتل موسى، وليدع ربه، إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد}.

المشهد الثالث:
حسب تقرير هيومان رايتس ووتش، تسببت قوات الأمن المصرية في مقتل 276 مواطناً على الأقل نتيجة أحداث الحرس الجمهوري، وأحداث المنصة، وأحداث ميدان رمسيس، كل هذا قبل فض اعتصامي النهضة ورابعة العدوية.

المشهد الرابع:
بدأ النظام يمهّد لعملية فض الاعتصام عن طريق الجرائد والمنصات الإعلامية الخاصة به، حشد الآراء تجاه تأييد الفض ونشر الشائعات بأن الاعتصام مسلح بشكل كامل ويهدد الأمن القومي للبلاد، بالإضافة إلى التلاعب والإيقاع بشخصيات عامة من أجل دعم النظام الانقلابي، وإضفاء شرعية أمام المجتمع الدولي مثل تعيين محمد البرادعي كنائب رئيس الجمهورية للعلاقات الدولية، ليصرّح بعد ذلك بأنه سيتم فض اعتصام رابعة بالقوة إذا لم يكون هناك بديل آخر، وأن مصر تجاوزت مرحلة إقناع المجتمع الدولي، وأن ما حدث ثورة شعبية وليس انقلابًا عسكريًا.

14 أغسطس/آب "عملية فض الاعتصام مراقبة ومصوّرة بشكل كامل، سيتم رصد المخالفين وأي مخالفات تُرتكب ضد القوات، عملية فض الاعتصام تتم بقرار من النيابة العامة وبحضور وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية والمجتمع المدني، قوات الأمن تناشد سكان المنطقة بإغلاق جميع الشرفات والنوافذ والالتزام بالتواجد داخل المنازل أثناء فض الاعتصام حرصًا على سلامتهم". هذه هي الرسالة التي وجهتها قوات الأمن إلى المتظاهرين وسكان المنطقة قبل وأثناء فض الاعتصام وسط صرخات الجرحى من المعتصمين ومناجاة الأحياء منهم للرب القادر بأن يتدخل وينقذهم، نداءات قوات الأمن لتبرئة وجهها وسط أصوات الطلقات النارية وقنابل الغاز والخرطوش وسرينة الأمن الرتيبة، انتهى الأمر بفض الاعتصام ومقتل أكثر من 1000 مواطن وإصابة أكثر من 4000 في أكبر مذبحة للمعارضين وأكبر عملية قتل ممنهج في التاريخ الحديث، وأكبر وقائع قتل متظاهرين في يوم واحد.

لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، واستمر النظام منذ ذلك الحين وحتى الآن -أي بعد مرور ثلاث سنوات- يطارد كل المعارضين والأصوات المضادة له، ويطلق على كل من يريد تهم الإرهاب والتجسس وتهديد الأمن القومي وإثارة الفتن، حتى أصبح كل من لا يرتدي البدلة العسكرية هو ممثل خطر حقيقي على السلطة، وكل مواطن مدني مهدد في أي لحظة بالسجن أو الاعتقال أو الاختفاء القسري، ولذلك فمن الطبيعي أن تكون النتيجة هي فشل النظام الانقلابي في السيطرة على الأمور والعبور بالبلاد إلى الاستقرار الزائف، فشل تام على كافة الأصعدة، ومن يواجه النظام بحقيقة هذا الفشل يعرّض حياته للخطر.

لا تصالح على الدم حتى بدم
الأزمة السياسية في مصر الآن وبعد مرور 3 سنوات من مذبحة رابعة تفرض على الجميع خيار "المصالحة" كحل سياسي وهدنة اجتماعية مفيدة لكل الأطراف، ولكن جميعنا يعرف أن هذه المصالحة محض أحلام، فالواقع يقول إن المنظومة العسكرية لن تتفاوض مع الإسلاميين، ولن تدخلهم في السباق السياسي من جديد، العسكريون يريدون التكريس لفكرة الإرهاب الذي دفعهم لإنقاذ الدولة ولا يريدون التراجع أو التواني عما بدأوه.

كذلك الإسلاميون لن يقبلوا بالمصالحة وهو أمر منطقي تمامًا، المصالحة على الدم؟ مسألة غير مطروحة، آلاف قُتلوا وغيرهم من المصابين وأكثر من 40 ألف معتقل بدون وجه حق، فكيف الحديث عن مصالحة مع قتلة ومغتصبين، كيف تنظر في يد من صافحوك فلا تبصر الدم في كل كف؟ حتى كل من يحاول وضع مبادرة للخروج من الأزمة، يستثني منها الإسلاميين لأنه يعلم جيدًا المعادلة، النار إذا وضعت بجانب البارود لا بد من الاشتعال، وكل مبادرة بالتعاون مع العسكريين ويُستثنى منها الإسلاميين، هي مبادرة لا يعول عليها.

أما الحل السحري الآخر وهو أن تجتمع الأطراف الأخرى كلها من ليبراليين وعلمانيين ويسار على كلمة رجل واحد ويكوّنوا جبهة معارضة جديدة قادرة على دخول الصراع بقوة، وهو ما لن يحدث على الإطلاق ولن يسمح العسكريون بحدوثه من الأساس.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.