المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مراد ملاح Headshot

الجزائر وقطر بعيون الكبار.. الإبراهيمي والكواري "1"

تم النشر: تم التحديث:

لا تتقاطع الجزائر وقطر فقط في دوائر الإسلام والعروبة ودبلوماسية المبادىء، بل للتقاطع وجه آخر تعبّر عنه شخصيات فريدة كانت -ولا تزال- شاهدة على عمق علاقات تاريخية، يتوجب علينا كشعبَين شقيقين استظهارها واستدعاؤها، لما لها من رمزية وخصوصية، خاصة في الظروف الراهنة التي يمر بها العالم العربي الذي يضرب موعداً مع سايكس - بيكو جديد، كما عبّر عنه الكاتب الجزائري أمين نور، صاحب النظرة الاستشرافية الثاقبة في كتابه: (العالم العربي على موعد مع سايكس - بيكو جديد).

وتحسساً لهذه المسارات التاريخية قادنا التوقير والتقدير والمحبة في زيارة إلى الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري - السفير والوزير، مرشح دولة قطر والعرب في انتخابات اليونسكو- وهو شخصية دبلوماسية صالت وجالت في الأمم المتحدة والعديد من العواصم العالمية، له من الإسهامات ما تشهد عليها الميداليات وأوسمة الاستحقاق، وكذا التكريمات التي حازها طيلة مشواره؛ لتبقى تجربته في اليونسكو شاهدة على احترام العديد من الدول لجهوده الثقافية، وهو احترام يمتد لدولة قطر ويضعها على خارطة الدول التي تعمل على تعزيز الثقافة والتعليم كحق إنساني بعيداً عن "جدل المعارك والتسويات"، وهو عنوان أحد إصدارات الدكتور الكواري عن دار المستقبل العربي في القاهرة سنة 2001.

في مجلس الدكتور الكواري تحيط بك الكتب من كل صوب وحدب، وبلغات متعددة وفي مجالات متنوعة، حتى إن الجالس إليه يتوه أي المتعتَين يختار؟ أيختار الاستماع إليه وإلى تجاربه وتحليلاته العميقة، أم الاستمتاع بالعناوين التي تزاحمها صور جميلة لمؤتمرات وفعاليات عالمية كان للدكتور حمد حضوره المميز فيها بابتسامته المعهودة وحديثه بلغات متعددة يتقنها؟

ولأن الحديث عن الجزائر وقطر فسرعان ما تنتبه إلى أنك في حضرة دبلوماسي مرموق بالأمم المتحدة وسفير سابق بواشنطن وباريس، ربطته العديد من الصداقات والذكريات كتلك التي كانت بينه وبين الرئيس الجزائري الراحل أحمد بن بلة رحمه الله (أول رئيس في تاريخ الجزائر المستقلة)، والذي كان دائم الزيارة للدكتور الكواري بباريس، كما هو الشأن بالنسبة للرئيس الحالي السيد عبد العزيز بوتفليقة.

صداقات الدكتور الكواري متجذرة أيضاً مع طاقمنا الدبلوماسي بالولايات المتحدة الأميركية، ومعرفته بالإطارات الجزائرية معرفة وثيقة ولا يزال يتذكر وجود السيد أحمد أويحيى (الوزير الأول الجزائري الحالي)ضمن طاقم السفارة الجزائرية بأميركا، ويمتد الحديث مع الدكتور حمد عن الثورة الجزائرية ورموزها ويبهرك باطلاعه وإلمامه بل ومعرفته بأبطال رسموا لوحة من أجمل فصول التحرر والنضال ألا وهي الثورة الجزائرية المظفرة.

وفي الجزائر البيضاء، قامة أخرى من معدن نفيس، تلخص في شخصيتها أبعاد الهوية الجزائرية، إنه الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، نجل الشيخ البشير الإبراهيمي العالم والمصلح، والدكتور أحمد المجاهد والطبيب، وزير مستشار (سابق) برئاسة الجمهورية، ووزير سابق أيضاً في قطاعات الإعلام والثقافة، رجل دولة بامتياز ومثقف من الطراز الرفيع صال وجال هو أيضاً في العديد من العواصم الدولية في إطار دبلوماسية جزائرية رزينة وقوية سعت لحل الخلافات بين الدول، ودعمت الشعوب في تقرير مصيرها، ووقفت بجانب القضية الفلسطينية انسجاماً مع مبادئ الشعب الجزائري وهويته العريقة وعقليته الثورية الرافضة لكل أشكال الظلم والاستبداد والاستعمار.

في مجلس الدكتور الإبراهيمي نفس المشهد؛ حيث الكتب والإصدارات تحيط بك من كل جانب، تزينها صور للشيخ البشير رحمه الله، أما الحديث للدكتور الإبراهيمي فهو شبيه بالوقوف في ميناء مترامي الأبعاد، يحتويك جلالاً وأمناً، فها هنا ذكريات عن نضال وكفاح، وهنالك جزيرة شامخة عنوانها سنوات من الجهود المضنية لترسيم الحدود مع جيران الجزائر سنوات تقلده منصب وزير الخارجية (1988 - 1982)، ونزع فتيل الفتن والنزاعات، وغير بعيد عن ذلك محطات جميلة من اللقاءات والزيارات حيث الاطلاع المتميز على أوضاع العالم وتحديات المرحلة، وعندما يستمر الدكتور الإبراهيمي في الطرح، يخيل إليك أنك مسافر عبر درجة لا يمكن تصنيفها، لكن المؤكد أنها رحلة شيقة فيها الكثير من الحقائق والكثير من التحليل والرسائل، خاصة ما يتعلق بتعزيز العقد الاجتماعي محلياً، وضرورة تكتل العالم العربي لمواجهة المخاطر التي مزقت لحمته، ويا للأسف أن بعضها محلي الصنع والتنفيذ.

يحتفظ الدكتور الإبراهيمي بكثير من الاحترام لكل الدول العربية، وبلا شك هو ديدن الأحرار والشرفاء، وقد أبدع في ذلك من قبل الشيخ البشير في إحدى روائعه (خواطر عن الشباب الجزائري) بالقول:

".... أتمثله واسع الوجود، لا تقف أمامه الحدود، يرى كل عربي أخاً له أخوّة الدم، وكل مسلم أخاً له أخوّة الدين، وكل بشر أخاً له أخوّة الإنسانية، ثم يعطي لكل أخوّة حقها فضلاً وعدلاً".

وبالحديث عن قطر لا يزال الدكتور الإبراهيمي يحتفظ بذكرى الحديث الذي جمعه بالشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الأمير الوالد بدولة قطر، في أحد مؤتمرات عدم الانحياز، أيام ولايته للعهد، وكيف أنه اكتشف مسؤولاً خليجياً، متقد الرغبة في عالم عربي موحد وقوي بعيداً عن الزعامات الإقليمية المقيدة والراهنة لحرية الدول في التعبير عن شخصيتها الوطنية وسيادتها على قراراتها وتوجهاتها، سواء أكانت سياسية أو اقتصادية، ما اعتبره الدكتور الإبراهيمي آنذاك استثناء وتميزاً في الطرح، ولا يكتمل المشهد بالحديث عن قطر إلا بما يرويه سفير الجزائر الأسبق في بداية التسعينات السيد محمد خمار، خاصة ما تعلق بزيارة الأمير الأب الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني إلى الجزائر، وما شكلته آنذاك من دفع قوي للعلاقات بين البلدين التي نأملها كما عنونت الكاتبة القطرية المتميزة الأستاذة نورة حمد المسيفري بالقول: (شطر الجزائر)؛ حيث الاعتقاد الراسخ "أن الحكمة ستتغلّب في النهاية".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.