المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مراد ملاح Headshot

النموذج الاقتصادي الجديد بالجزائر

تم النشر: تم التحديث:

ضيَّعت الجزائر فترة بحبوحة مالية بإجراءات شعبوية وزعت الريع حسب درجة الموالاة والقرب والتصفيق والتهليل، دون أدنى اعتبار لضرورة اتخاذ خطط وتدابير مستقبلية، تُرسي دعائم اقتصاد يليق ببلد بحجم ومقدرات الجزائر المادية والبشرية، في بلد انتظرت حكومته أكثر من سنتين كي تمتلك الجرأة لقول الحقيقة للشعب الجزائري، بأن اقتصاد بلاده يترنح واحتياطي الصرف يتآكل يوماً بعد يوم.

ثم أطلَّت عليه بنموذج اقتصادي جديد، خرج إلى العلن عبر موقع وزارة المالية وباللغة الفرنسية فقط، حيث سبق أن كانت الوثيقة المفرج عنها أحد المحاور المصدَّق عليها في اجتماع مجلس الوزراء في 26 يوليو/تموز من سنة 2016، وكانت أيضاً أبرز الملفات التي نوقشت باجتماع الثلاثية الأخير في السنة ذاتها، مع ضوء ساطع سُلِّط آنذاك على رفع سن التقاعد والجدل الذي رافقه.

تجدر الإشارة إلى أن اجتماع الثلاثية هو تقليد رسمي بالجزائر، يجمع الحكومة بمنظمة أرباب العمل والاتحاد العام للعمال الجزائريين.

وهي للأسف هيئات تتحرك ضمن ما لا يزعج الحكومة، حيث سقف الانتقاد والملاحظات محدد؛ بل حتى سقف المطالب متفق عليه قبل اللقاء، الذي يعتبر لقاءً تقليدياً موجهاً للإعلام والاستهلاك وتلاوة خطاب موجه للعمال، ومن ضمن ذلك التذكير في المكتسبات العمالية وعزم الدولة على تعزيزها، وهي عبارات تتكرر سنوياً، تبعث التساؤل عن الجدوى من تغيير الخطابات التي تُتلى ما دامت بالتسطيح الممارس نفسه والمستغبي للعقول.

ما الذي تضمَّنه النموذج الاقتصادي الجديد؟
ابتداءً، يتساءل كثير من الجزائريين، خاصة الخبراء والمختصين، عمَّن أعدَّ الوثيقة المكونة من 21 صفحة والمتمثلة في النموذج الاقتصادي الجديد، والتي يدَّعي محتواها أنه كفيل بتحويل الاقتصاد الوطني من اقتصاد الريع الى اقتصاد ناشئ ذي تنافسية عالية، متنوع المصادر وغير معتمد على واردات النفط، ويحقق نسبة نمو تقدر بـ6.5 في المائة خارج قطاع المحروقات، وذلك من خلال إجراءات واصلاحات يسميها "الجريئة".

إذ يستهل معّدو الوثيقة الذكير بأن عجز الموازنة بلغ مستوىً قياسياً غير مشهود على الأقل في آخر 15 سنة، مذكِّراً بتراجع الجباية البترولية من -7.9 في المائة سنة 2014 الى أكثر من -32.9 في المائة سنة 2015، وهو اعتراف لأول مرة بوجود أزمة اقتصادية حقيقية، جاء مناقضاً تماماً لعشرات التصريحات لمسؤولي الدولة بأن اقتصاد الجزائر عصيٌّ على تهاوي أسعار المحروقات.

وهو ما جعل العديد من المواقع الإعلامية الرسمية وغير الرسمية، ومن ضمنها التليفزيون الحكومي، تباهي بأن نشر النموذج عبر الموقع الإلكتروني لوزارة المالية، مدعاة للاحتفاء بالشفافية والوضوح اللذين تتبناهما "الحكومة الرشيدة".

لقد مثَّلت إيرادات المحروقات والجباية البترولية في الجزائر، ولسنوات عديدة، مصدراً مهماً لتطوير المشاريع، خاصة ما تعلق بالبنية التحتية، حيث العوائد كبيرة ومتعددة تشمل مراحل الحقل النفطي كافة؛ وهي: الترخيص، والاستكشاف، والتثمين، والتطوير والإنتاج، والإخلاء، لتتعداها إلى ضرائب أخرى؛ كحق الدخول وحق الإيجار، وكذا الضريبة على الدخل؛ إذ تراجعت اليوم متأثرةً بتخفيض الإنتاج وانخفاض الأسعار.

وأمام هذا الوضع، جاءت الوثيقة الجديدة بعبارات فضفاضة وعامة ذات طبيعة زئبقية، لتدلِّل ظاهرياً على وجود تصور حكومي لإدارة الأزمة من خلال 3 مراحل؛ أولاها: مرحلة الإقلاع الممتدة بين سنتي 2016 و2019، وهي مرحلة تطمح الى زيادة عائدات الضرائب 11 في المائة كل عام، مع إعادة النظر في دعم الكثير من المواد الاستهلاكية على اعتبار "الدعم والإجراءات المتعلقة به مضادة للمفاهيم الاقتصادية الصحيحة"، ومشددة على ضرورة الحفاظ على العدالة الاجتماعية.

ولتأكيد خطورة المرحلة، تضع الوثيقة في صفحتها الثامنة سيناريو باعتبار السعر الأدنى المتوقع للنفط في حدود 40 دولاراً سنة 2017، و45 دولاراً سنة 2018، و50 دولاراً سنة 2019، لتخلص إلى القول إنه حتى لو تحقق ذلك فسنكون أمام "حالة من التدهور ستعمِّق عجز الخزينة العمومية".

المرحلة الثانية، يسميها النموذج مرحلة تصحيح الخيارات في القطاع الاقتصادي والذي يحقق الاستدراك الشامل، الذي يتأتى عبر عصرنة القطاع الفلاحي لتحقيق الأمن الغذائي وتنويع الصادرات، وكذا عبر تحقيق ما سماه الانتقال الطاقوي المفضي إلى التحرر من التبعية للمحروقات، من خلال تخفيض استهلاك الطاقة إلى النصف وتطوير مصادر طاقوية بديلة.

ويشدد النموذج على إعطاء الأولوية في الاستثمار لما سماها الإنتاجية الشاملة دون التفريق بين القطاعين العام والخاص، وينبه إلى ضرورة إصلاح المنظومة المالية والمصرفية مع إعادة النظر في تسيير العقار الصناعي.

المرحلة الثالثة التي يتضمنها المشروع، والممتدة ما بين عامي 2025 و2030، تسميها الوثيقة مرحلة تثبيت وتوحيد الرؤى ليحقق فيها الاقتصاد الوطني استدراكاً شاملاً لجميع السياسات السابقة.

ويختم معدو النموذج بالتعرض لموضوع الحوكمة عبر نظام وطني جديد للاستثمار، ونظام وطني للإحصاء، مع تقييم السياسات العامة، وينبه إلى أن السياسات الاقتصادية مآلها الفشل إذا لم توضع بين أيدي إدارات ووكالات تنفذ بفاعلية، وبين التشريع والواقع فجوة، سببها الرئيس ضعف الحوكمة التي يتغنّي بها المشروع.

رد فعل استعجالي أم رؤية استشرافية؟
ربط الوثيقة للإقلاع الاقتصادي بزيادة الجباية ورفع الضرائب، مؤشر على أن النموذج المقترح لا يرقى إلى أن يكون خطة استراتيجية استجابة لمفهوم التخطيط الاستراتيجي الواعي والمستوعِب للخطر المحدق بالاقتصاد الوطني من جهة، وإمكانات الجزائر من جهة أخرى، بدليل أنه أسقط تماماً العنصر البشري من عملية التحول الاقتصادي في بلد به مخزون علماء وباحثين ومختصين هائل.

هذا فضلاً عن عدد لا يستهان به من الطلبة والباحثين داخل الوطن، ممن يمكن أن يقودوا خطة اقتصادية تُبنى على المعرفة والرقمنة، وهي أحد عيوب المرحلة الحالية وأكبر نواقص النموذج المقترح، فالإجراءات الإدارية البيروقراطية المتراوحة ما بين الورقية والطباشيرية، لا تزال سمة غالبة على كل المؤسسات في الدولة وعلى رأسها المؤسسات المالية والمصرفية، والتي لا يمكنها أن تؤسس لعهد اقتصادي جديد، ما لم تستجب للمعايير الرقمية والتقنية العالمية.

كما أن تغييب العنصر البشري ومفهوم اقتصاد المعرفة ليسا هما فقط وجه المأزق في النموذج المقترح؛ إذ يطرح إشكال الجهة التي ستتولى تنفيذ النموذج الاقتصادي متمثلة في العقلية الحكومية نفسها التي أوصلت الاقتصاد إلى هذا الوضع، والسؤال المُلحّ: كيف يستطيع الطاقم نفسه خريج المدرسة نفسها بالذهنيات والعقليات نفسها، تحقيق نتائج مختلفة، وهذا ما يتنافى مع العقل والمنطق.

إذ الإخفاق ثابت، على الأقل من ناحية العجز عن توقع هذا السيناريو والتحضير الجيد لمواجهة تداعياته، بدلاً من الهرولة لرفع الأسعار وتعويم العملة الوطنية، والتي لا تزال الأرقام الرسمية حولها مضللة وغير صادقة؛ ما يجعل الاعتقاد سائداً أن النموذج الجديد لا يعدو أن يكون رد فعل يدفع عن الحكومة تعيير المختلفين معها بـ"أنها تفتقد إلى أدنى نظرة استراتيجية لمواجهة التحدي الاقتصادي" رغم التحذيرات العديدة التي وُجِّهت لها وطنياً ودولياً.

وإذا كنا لا نزال في مدرسة الاقتصاد القديمة التي تنتشي بنسب النمو وأرقام ميزان المدفوعات والمصاريف، فإن لغة الاقتصاد في العالم اليوم هي لغة السرعة والقدرة على الإنجاز، وهو مؤشر أضحى مهماً وأساسياً في توجيه رؤوس الأموال المستثمَرة، فصار العالم اليوم يتحدث عن اقتصاد سريع وآخر بطيء وآخر غير قابل للدوران أو يدور إلى الخلف.

وإلى أن نعي أن الرهان الاقتصادي أصبح حقيقة يجب التعامل معها بكل براغماتية، لا تزال المخططات الحكومية بعيدة جداً عن المدارس الفكرية الرائدة ولغة العلم والتخصص والإحصاءات الدقيقة، والتي من شأنها وحدها فقط، الأخذ بزمام الأمور إلى شاطئ الأمان مع مراعاة البعد الاجتماعي الذي يترتب على كل خيار اقتصادي؛ حتى لا تأتي الشعبوية على ما تبقى من الاقتصاد والمجتمع على حد سواء.

الإدراك قبل التفاخر والهوس
الكثير ممن يشرفون على تسيير الشأن العام بالجزائر ينتمون إلى مدرسة أن "التحول الكبير يجب أن يكون مؤلماً"، تماماً كاعتقاد المريض أن الطبيب الذي يصف دواءً واحداً هو طبيب غير كفء، وهذا موروث قديم فيه خليط من الاشتراكية وكذبة العدالة الاجتماعية، مع الصورة النمطية عن القادة الملهمين الأفذاذ والخارقين الذين يفكرون أحسن من غيرهم.

والحقيقة أن التنبيه على الخطأ الاسراتيجي الذي تقع فيه الجهات التي تعتبر نفسها قادرة على تحقيق الوثبة الاقتصادية مهم، خاصة في هذه الظرفية الصعبة والحساسة؛ إذ جرت العادة في كل مشروع حكومي بأن يعكف مجموعة من قدامى الإداريين (الذين لا يملكون بريداً إلكترونياً ويعادون كل ما هو رقمي)، من مختلف الوزارات والهيئات على تأليف النصوص وكتابة السيناريوهات للخطط الحكومية.

ولا ضير من التعاون مع مكاتب الدراسات الأجنبية وإخراج المشاريع باللغة الفرنسية وبكلمات فضفاضة مشبعة بمشاعر التفاخر بالماضي والهوس بالعظمة والاقتدار على مجابهة كل الظروف، غير مدركين أن التحديات الاقتصادية لا تعترف بأغاني المجد والبكاء على اللبن المسكوب، والاكتفاء بأوراق إنشاء تُنظِّر لاقتصاد دولة قوامها 41 مليون شخص يعتبر استهتاراً واستخفافاً بالعقول.

كما أنه من الناحية العلمية وفي أدبيات المناجمنت الحديث، فإن الكفاءات قبل البرامج والمشاريع، حيث يعتبر الأشخاص المناسبون أهم الأصول في رأس مال أي مشروع يريد النجاح، أما نموذج العبقري الواحد الذي له مليون مساعد وكاتب دولة وخبير، فهو نموذج أكل عليه الدهر وشرب، حتى قيل في استراتيجيات التطور إن: (من) تأتي قبل (بماذا وكيف)؟ مع وضع أحسن الكفاءات البشرية في كبرى الفرص وليس قبالة كبرى المشاكل، ومع ذلك فنحن لا ننتمي لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

ويذكر التاريخ في هذا السياق سؤال الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لما تسلّم دفة أقوى دولة في العالم، كان قد طرحه على الرئيس الأشهر لـ"جنرال إلكتريك"، جاك ويلش، يطلب نصحه لإدارة البلد، ليجيب ويلش: "ابنِ فريق العمل المناسب وحلِّق معه حيث أهدافك)؛ لأن التركيز على فريق العمل الكفء هو وحده من يصنع الفارق ويحقق المستحيل.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.