المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مراد ملاح Headshot

التغيير الذي نرومه في الجزائر.. من أين يبدأ ؟ "3"

تم النشر: تم التحديث:

تحدثنا في الجزء الماضي كيف أن الأفكار مهمة جداً لإنتاج المشاريع التي تعبِّد طريقَ أي مجتمع يروم التغيير نحو الأحسن؛ حيث أثبتت التجارب أن العديد من الدول ممن استوردت الحلول لمشاكلها المستعصية، لم يزدها الاستيراد غير المُراعي لخصوصياتها إلّا خبالاً، كما أثبت العلم أيضاً أن سلامة المكونات ليس كافياً لضمان حسن الأداء؛ حيث انقطاع التنسيق والتواصل لدى النسيج الواحد، يحدث خراباً متتالياً يأتي على البنية والوظيفة، وقد يهدم البناء ولا يبقي له أثراً، كما هو الحال في جسم الإنسان المصاب بالسرطان نتيجة غياب التنسيق والتواصل بين خلايا النسيج الحي، والتي يدخل بعضها في سلسلة انقسامات خلوية عشوائية تحدث ورماً فسرطاناً فتَّاكاً يهدم الجسم ويحول بينه وبين أداء وظائفه الحيوية.

وعموماً يمكن القول بأن الأفكار وإن عجزت عن إحداث الفرق في التغيير المجتمعي نسبياً، فإن لها الأثر البالغ لانتظام الناس من ذوي الرغبة في تحسين أحوال مجتمعهم؛ لذا فالقول بأنها غير كافية لإحداث التغيير المجتمعي، إنما هو طرح نسبي من جهة، ومن جهة أخرى فهو ينطبق على جزئية المخرجات وليس المدخلات، بل مما لا شك فيه أن المجتمعات العاجزة عن توليد الأفكار هي من تتخبط وتتيه، فلا يُعرف لها لون ولا شكل ولا رائحة، وقد تؤدي الأفكار في مجتمعنا وظيفتها إذا ما تم حبكها ونسجها في مشروع يؤذن بميلاد مجتمع،

يراعي في نشأته استجماع القدرات العقلية والجسمية واللسانية والانفعالية والاجتماعية للأفراد الذين يكونونه، وقد يؤدي هذا الإنتاج الفكري المُستحضِر لهذه المقدرات، إذا ما اتخذ بعداً رسالياً هيمن على فكر الفرد، دوراً حاسماً ومفصلياً يرسم ملامح مجتمع يتعدى في نشأته سببية الغريزة، كما هو حال مجتمعات النمل والنحل أو التجمعات البشرية التي ورد ذكرها في التاريخ، وهي تجمعات تربطها رغبتُها في الحفاظ على بقائها ونوعها أو سلالتها؛ لذا فالجماعة لا تكوِّن مجتمعاً إلا إذا استطاعت زيادة على إنتاج الأفكار "إنتاج وسائل التغيير التي تصل بهذه الأفكار إلى تحقيق الهدف الذي حدد سلفاً أي تغيير نريد".

لذا كان المفكر الجزائري الفذ مالك بن نبي -رحمه الله- أول من نبَّه إلى أن "جميع أسباب تحلل المجتمع كامنة في مرض شبكة علاقاته"، ولكم ألهمتنا مشاهد الناس في منصات التتويج أكثر من أحاسيس المتوَّجين والفائزين أنفسَهم، ذلك أن التتويج لا معنى له ولا قيمة له لمن اعتلى المنصة وحيداً، فسِرُّ الوجود والحياة في أي مجتمع هو قدرته على توليد الأفكار، أفكار تحتاج دائماً وأبداً إلى شحنات من العطاء والبذل؛ لذا عندما اهتز القلم في يد العقاد، ولم يعد بمقدوره أن يكتب في آخر عمره، صدَح بها ونعى نفسه قبل أن تخطفه المنية قائلاً: " اليوم يموت العقاد"، فجوهر الوجود هو لمسة العطاء وإنتاج الأفكار، فيما العمل الحقيقي هو النفاذ بتلك الأفكار إلى العقول والأنفس والقلوب، وهنا يرشح لدينا تساؤل آخر: يا ترى أين يمكننا أن نجد العقول والقلوب والأفئدة في صعيد واحد؟ حتى نَسُوق لها الأفكار، ونبني بها ومعها مجتمعاً، يحمل ثمار استمراره وتفوقه في بذور أفكار تبنيه، بنياناً يُغنِّي ساكنوه للقمر برغبة الوصول إليه، لا ليشكوه لوعة الفراق وغدر الحبيب في هذا الزمن العجيب.


وما زلت أعتقد أننا نمارس خطأً استراتيجياً جماعياً إلى حدٍّ ما، لدى تناولنا لموضوع التغيير بالجزائر، سواء على صعيد الجزائر الرسمية أو الشعبية، وأقصد السلطة السياسية والمجتمع بمختلف فعالياته وتنظيماته وجمعياته، والخطأ المقصود بالتنبيه، هو عدم إلمامنا بماهية المجتمع الجزائري الحالي والخصائص المُكوِّنة للشخصية الجزائرية؛ حيث وجه الشبه العام في تناول التاريخ بين الجزائريين هو تناوله ابتداءً بحادثة المروحة ومعركة نافارين وصولاً إلى اتفاقيات إيفيان والاستفتاء حول الاستقلال، ما ينمُّ عن انحصار المعرفة بالتاريخ لدينا، فقط بالحقبة السالفة الذكر، ما يعتبر فراغاً معرفياً سيكون سدُّه مهمّاً جداً في اعتقادي لسببين:

أولاً: سيسمح لنا باستدعاء الزخم التاريخي القديم قبل الاستعمار الفرنسي بشكل يعزز معرفتنا بذواتنا، ويسمح لنا أيضاً بفهم بعضنا البعض.

ثانياً: الاطلاع على الحقب التاريخية التي سبقت تشكّل الدولة الجزائرية الحديثة، ليزيح عنا غشاوة فهم العديد من المواقف المعاصرة، والتي ما هي في الحقيقة إلا تغذية راجعة لعديد الحقب التاريخية التي مرَّت بها الجزائر، خاصة ما يتعلق بالعنصر البشري المكوِّن للمجتمع الجزائري نشأةً وأصلاً وتفاعلاً.

وليس المُقام مقام الحديث عن فوائد قراءة التاريخ، بقدر ما هو الدعوة إلى قراءة تاريخ الجزائر كاملاً ومن مصادر مختلفة حتى لو كانت معادية ومزعجة لمشاعرنا؛ حيث لطالما وقع تاريخنا ضحية الأهواء الشخصية والقراءات الذاتية البعيدة جداً عن الموضوعية، وهذا ما جعل الانطباع العام لدى الجزائريين لمَّا يتعلق الأمر بالتاريخ انطباعاً لا يخلو من التهكم، مع الاتفاق على أن التاريخ مهمل ومبهم وضحية الحسابات المرحلية،

وهذا ما ساهم للأسف في ضعف الجهود التي تهتم بالعناية بالتاريخ وتسهيل انخراط الجزائريين في الاطلاع عليه، كي يفهموا الحاضر ويتطلعوا إلى المستقبل متنورين بوقائع الماضي، وقد تكون هذه الخطوة مهمة جداً لنا كجيل لتحديد إحداثيات التواجد؛ لأنها تسبق في العادة التطلع إلى العنوان الجديد وتحديد المسار لموقع آخر؛ حيث النماء والتطور والتحسين، وحتى نتدارك أيضا الخطأ الشائع بحصر تاريخ الجزائر في الحقبة الفرنسية، وما لهذا الحصر من تضييق أفق وإسقاط دائرة كبيرة من الإرث الحضاري والفكري للجزائريين على مرِّ العصور، وعليه لو سلَّمنا بأهمية هذا المنحى فإنه سيقودنا إلى النهل من تجارب النهضة في الأمم السابقة واللاحقة، لتحديد معالم التنمية وسبلها وأحسن الممارسات المفضية إليها، معالم من مشكاة واحدة، مشكاة التخطيط بالعلم والمعرفة، والتنفيذ بالرقابة والحوكمة، في فضاء رحب من الحريات والفرص المتكافئة،

وفي بيئة تولي العناية للأخلاق والقيم، وقد يكون هذا الوصف خيالياً يؤدي بنا للتفكير في المدن الفاضلة، فيما كل مُعطى نسبي في حياتنا، بل إن التعامل بالمثالية والقفز فوق حقيقتنا كشعب تمكنت الماديات من عديد مناحي النفس فيه، حقيقة من مجموعة حقائق الاعتراف بها ليس عيباً، خاصة إذا كان مقدمة لعمل حقيقي ينهض بالجزائر ويحول مدنها من مدن لا معالم فيها سوى المقاهي ومحلات البيتزا إلى أقطاب متميزة في الزراعة والصناعة والتعليم.

لذا لا بأس أن نتساءل متى نستفيق من كذبتنا الكبيرة وعددنا فاق الأربعين مليوناً، وما زلنا نستورد الثوم من الصين، دعونا نتعرف معاً على تجارب الأمم؛ لندرك مع بعض أن النهضة ليست مستحيلة بل لها أركانها، وقبل ذلك لها تأشيرة واحدة، تبدأ باستشعار حاجتنا إلى التطوير وتتعزز بإصرارنا على أن نصنع التاريخ ونتواجد في خريطة العالم رقماً في مجال مهم، وليس اسماً في جدول الدول المصدَّر لها (الحفّاظات والرضَّاعات والقمح والمايونيز).

وقد تبدو هذه اللغة إلى حد ما قريبة من التوصيف الذي نفرُّ منه، لكن علم النفس الحديث يوجه دائماً بالصراخ عالياً تجاه الحقائق المعيقة للنجاح؛ لذا دعونا نصرخ ونصارح بعضنا: نحن وطن متخلف به ثروات كثيرة ومتنوعة أهمها الجزائري والجزائرية، ممن اقتنعوا يوماً بعد الآخر أننا لسنا أقل من غيرنا وتطوير أنفسنا، ووطننا يجب أن يتحول إلى رسالة وهدف نعمل عليه جميعاً، قبل أن نغرق أكثر في براثن التخلف الذي أخَّرنا سنوات عديدة كان بالإمكان الاستفادة مما كان، لكن الغد لناظره لقريب، والأمل بوطن أحسن وأرقى وأرفع أملٌ ممكن، وليس مستحيلاً.



ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.