المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مراد ملاح Headshot

التغيــــير الذي نرومه في الجزائر.. من أين يبدأ ؟ "2"

تم النشر: تم التحديث:

تحدثنا في الجزء الأول عن كيف تحول توصيف أوضاع المجتمع الجزائري إلى جزء لا يتجزأ من يوميات الجزائريين، وكيف أننا شبه متفقين جميعاً أن مستوى الأداء لمرافقنا ومدارسنا، جامعاتنا ومصانعنا، مطاراتنا ومستشفياتنا، دون الطموح الذي يختلجنا، أملاً في وطن متقدم ومزدهر، ينافس أقرانَه من الأمم في العلم والتقدم والشفافية، والحرية والعدالة وغيرها من القيم، التي نأمل أن تسود في مجتمعنا، وبين الناقم والمتفائل يتكرر السؤال الذي ربما الإجابة عنه لم تحقق الإجماع، كالذي تحقق في التوصيف، من أين يبدأ التغيير؟

من الجزائريين من يعتقد أن أعلى هرم السلطة القائمة هو الذي يجب أن يُستهدف بالتحسين والتطوير والتغيير، باعتبار الأثر الجلل للسلطة على كل المناحي اليومية للفرد في المجتمع الجزائري، وقد يناقض هذا الطرح فئة أخرى من الناس تعتقد أن السلطة السياسية المتشابكة الخيوط مع أركان الدولة (إذ الارتباط عضوي ووظيفي)، إنما هي تحصيل حاصل للأداء الشعبي ومجموع المكونات المجتمعية من فعاليات وأحزاب ومجتمع مدني، وبين هذا الرأي وغيره، وفي رحلة الإجابة عن المدخل الأنسب لحلم التغيير، مازلنا ربما في كثير من نقاشاتنا اليومية نُسقط بقصد أو بغير قصد أهمية الاطِّلاع على تجارب الدول، على الأقل تلك الدول التي لها نفس عمر الدولة الجزائرية، أو حتى عمر الجزائري كشخصية وطنية لها خصائصُها وسماتُها ومكوناتها التي عبَّر عنها الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله بالقول:

"إنّنا فتّشنا في صحف التّاريخ وفي الحالة الحاضرة، فوجدنا الأمّة الجزائريّة المسلمة متكوّنة موجودة، كما تكوّنت ووجدت أمم الدّنيا كلّها. ولهذه الأمّة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال، ولها وحدتها الدينيّة واللغويّة، ولها ثقافتها الخاصّة وعوائدها وأخلاقها، بما فيها من حسن وقبيح، شأن كلّ أمة في الدنيا".
وليس إغفال دراسة تجارب من سبقنا في اعتقادي، وجهَ القصور الوحيد في محاولتنا للاصطلاح على نموذج تغيير نلتف حوله، نموذج يضع قطيعة مع حالة التيهان الذي نعيشه، بل إن تجاهل ما تناوله علماء الجزائر وخبراؤها ومفكروها حول ماهية المجتمع الجزائري وخصائص الشخصية الجزائرية، والإسهامات الكثيرة التي قُدِّمت في هذا السياق، جانب أيضاً أغفلناه تماماً كما أغفلته مناهجنا العلمية والتربوية، التي عرَّفت الناشئة بالمشاهير من كل صوب وحدب وفي مختلف المجالات، دون أن تعرِّفه برموزه الفكرية والوطنية، كالمفكر الكبير مالك بن نبي رحمه الله، وغيره من الجزائريين الذين لا يعرفهم جيل اليوم.

إن المتأمل في أحوال الجزائر ليكاد يقتنع أن الخيارات لدى ذوي النيات الطيبة، أفرزت طريقين، أولهما تغيُّر إيجابي ببصمة علمية ومنهجية وحضارية متزنة، وثانيهما طريق التراكمات المتسارعة غير المضبوطة التي قد يُعرف حجمها ويُجهل مسارها، وما أكثرها في عديد الأماكن والمناطق من وطنا المترامي، وليس القصد ترجيح نظرية الحتمية التاريخية، وإنما التنبيه بأن التغير سنة كونية جارية، فدائرة الزمن تدور كالرحى ولا تتوقف، تطحن كل ما يوضع بداخلها، لذا كان الحرص على مناولتها بالقمح وما ينفع الناس، مُقدَّماً على كثير من النقاشات والسِّجالات السطحية التي تتناولها منصات اليوم بإسهاب مؤسف.

والحقيقة أن المجتمع كما النسيج الحي، مجموعة خلايا تتناسق وتنتظم لتؤدي وظيفتها، فالخلايا في الجسم البشري، تتشابه حد التطابق الكلي، لكنها تتمايز لما يتعلق الأمر بأداء وظيفتها، لذا نسمي هذه الخلية بالخلية العضلية وتلك بالخلية العصبية وغيرها من التسميات التي ترتبط بالعضو اسماً وبأداء الوظيفة أصلاً ومنشأً، لكن النسيج قد يتهاوى وقد يدخل في فوضى لا عد ولا حصر لها، خاصة عندما تتقطع أواصر التواصل والتنسيق بين خلايا النسيج الواحد، لتدخل بعض الخلايا في تكاثر مرعب يشكل ورماً في البداية، يتحول لاحقاً الى سرطان ينخر الأجساد ويُنغِّص الحياة، وليس غياب التصور حول الدور المنوط بالخلايا أو النسيج هو من أسقط بنيان النسيج، بل إن غياب الانسجام والتنسيق والتواصل هو من عجل بتهاوي هذا الصرح الحيوي،

الذي يعتبر جوهر الحياة وسراً من أسرار بقائها، كذلك هو حال المجتمعات التي يطورها فعلاً وجود الأفكار البناءة، ولكن لا يمكن لهذه الأفكار وحدها أن تشكل المِنعة المرجوة ضد التهاوي والسقوط، خاصة إذا غاب الانسجام وتشتت الجهود، وغنى كل على ليلاه، في بلد "مغني الحي" فيه "لا يطرب"، والوافد الدخيل هو أحسن ما يمكن أن يقبل عليه الناس، ولو تنافى ذلك مع معتقداتهم وموروثهم الثقافي والاجتماعي قبل الديني، لذا فإن المتتبع للتغيرات التي يمر بها المجتمع الجزائري يلحظ أن أول ما ناله التغير هو العلاقات الاجتماعية بين الناس، إذ لا تخطىء عينا مراقب تراجع الدفء في العلاقات الجزائرية -الجزائرية حتى بين أفراد الأسرة الواحدة، وتعدى هذا الأثر الى العلاقات بين أفراد الحي الواحد ثم المدينة الواحدة والجهة الواحدة، إلى أن عمَّ الجفاء وضاع التناغم وكثرت الفرقة والنفرة، بل واستوطنت ثقافة الخلاص الفردي، إذ أضحى الفرد في المجتمع الجزائري لا يعنيه مآل الآخر، خاصة إذا أمِن على نفسه ومصالحه، حتى ولو كان الآخر شريكاً في الرحم والأسرة والحياة.

يقول المفكر التربوي الدكتور علي مدكور: "إن التغير الاجتماعي يبدأ من الداخل، أي من النفس، وذلك بتغيير الأنماط العقائدية والمعيارية والقيمية والفكرية للإنسان، فإذا ما تغير ذلك فإنه ينعكس على السلوك الخارجي للفرد والمجتمع على حد سواء".

وفي المجتمعات الغربية، تنبني خيارات الناس وبرامج الأحزاب واستراتيجيات الدول على منطلقات فكرية تتشاكس وتتنافس، ولا يفصل بينها إلا قوة الحجة والبرهان، وسلامة الفكرة من العجز، كما لا يضمن بقاءها إلا مدى قدرتها على الولوج إلى الأفئدة والعقول، لذا تتحد الأفكار ويتنادى أصحابها ليمارسوا التنميط الذي يوجه قوى الدفع في المجتمع، حيث لا مكانة لأسهم القبيلة والتغني بالمجد، لذا تجد في هذه المجتمعات أن الفكرة هي وحدها فقط الكفيلة بأن تحدث أثراً في حياة الشعوب، والتي لا يمكن تشبيهها لتعزيز هذا السياق إلا بأرضية خصبة مشبعة بأسمدة الحرية والعدالة والمواطنة، مسقية بمياه الفكر المؤسسي والعمل المؤسسي، الذي يجعل الإنسان أولوية قصوى في مفهوم البناء المجتمعي، فالتنمية لا تتم إلا به وله، حتى غدا الإنسان أغلى ما في هذه الأوطان، وعلى النقيض من ذلك فإن الأفكار الجيدة الفذة في مجتمعنا تتسرب عبر ثقوب التحلل الاجتماعي الذي أصاب مجتمعنا، الذي يتسم بالموسمية، كأن يتحول الطالب إلى ناسك في أيام الامتحان، والمواطن إلى مواطن فقط في المناسبات الانتخابية، بل تتحول المواطنة إلى تاج على رؤوس الجزائريين، وهم من يعاني في جنبات الحياة من تغييب المواطنة في أبسط الممارسات، لذا يتبين جلياً أن وجود الأفكار وحدها بمفكريها ومنظريها في الواقع الجزائري المعاش، لا يمكنه بأي حال من الأحوال تغيير مواطن الضعف والترهل، في مجتمع ينتمي أغلبه للماضي أكثر من انتمائه للحاضر والمستقبل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.