المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منى لفرم Headshot

ألم يحِن الوقت لنربّي؟

تم النشر: تم التحديث:

أقْبَل الأب الفقير على أبنائه ككل مساء، متعباً يَنْفُضُ غبار الزمن على وجهه، استقبله أولاده الخمسة بابتسامة ولهفة، ملقين نظرة على ما يحمل بيديه من زاد: كيسان بهما شيء بسيط من خبز وجبن وزيتون.. والكثير من البركة.

يحتضن الأب الحنون زوجته وأولاده فينسيهم الجوع الذي يشعرون به منذ يومين، يجلسون جميعاً حول المائدة المتواضعة، والغريب في الأمر أنهم يشبعون؛ لأن "القناعة كنز لا يفنى"، والرضا سر السعادة.

يربي الأب الفقير أبناءه على الصدق مع النفس ومع الآخرين، على حب الناس وعلى أن المبادئ لا تتجزأ.

يكبر الأبناء الخمسة ويصبحون مواطنين تفتخر بهم بلادهم، ويكون الأبوان رغم فقرهما قد أدّيَا رسالتهما على أكمل وجه؛ لأن الفقر هنا، وبكل بساطة، فقر في الجيب لا في النفس.

هذه طبعاً هي الصورة المثالية التي لا تجد لها مكاناً على أرض الواقع إلا بنسبة قليلة.

ففي مجتمعاتنا أصبح الفقر مرتبطاً أشد الارتباط بالجهل واللاوعي، الجهل والفقر قنبلتان موقوتتان كفيلتان بهدم أي مجتمع.

في المقابل يصل رجل الأعمال الغني إلى قصره شارد الذهن يفكر فرِحاً بعدد الصفقات التي أبرمها والأموال التي زيّنت حسابه البنكي اليوم.

لا يجد أحداً في استقباله فيعاود الخروج ليلقي بنفسه في أحضان الليل المقمر؛ ليصرف ما كسب.

تقضي الأسرة الغنية عطلها في أجمل الجزر وأغلى الوجهات، تتزين مائدة طعامهم كل يوم بما لذَّ وطاب لكن الحياة لا معنى لها ولا هدف فيها؛ لأن الحب غائب، والمصالح طاغية، فالزوجة والأبناء لا يرون في الأب سوى دفتر الشيكات، والأب بدوره يجدها وسيلة للتخلي عن المسؤولية الأهم والأسمى: التربية.

هنا نتحدث عن غنى الجيب وفقر النفس، فتختل الموازين، لكن ليست الصورة بهذه القتامة، فهناك أسر وعائلات غنية مستقرة ومتماسكة تقوم بواجبها نحو ذلك المعوز؛ لأنهم لا يعتبرون الفقر عيباً، ولأنهم مؤمنون أن التكافؤ أساس المجتمع السوي.

ثم تأتي الطبقة المتوسطة المستريحة التي توشك على الانقراض، هم في الغالب أناس دارسون (منهم كذلك المثقفون)، فضَّلوا الاعتماد على أنفسهم لتحقيق أهدافهم ووصلوا إلى مبتغاهم بالكد والجهد.

يساعدون آباءهم حباً فيهم واعترافاً لهم بدَورِهِم، يعولون أسرهم الصغيرة بحس عالٍ من المسؤولية؛ لأنهم واعون أن أبناءهم سيحملون المشعل من بعدهم فينتجون أجيالاً قوية شجاعةً، متشبعةً بحس المواطنة.

أما بالنسبة لما يسمى بنخبة المجتمع، أناس ينتظر منهم بلدهم الكثير وينتظرون منه الأكثر.. يتسابقون نحو الروافع الاجتماعية ويعيشون بمنطق "أنا وبعدي الطوفان"، يهرولون نحو المراتب الأولى؛ لأنها ستخول لهم جُلّ الامتيازات التي يصبون إليها وسترسو بهم على بر الأمان.

هم أناس ينظرون باحتقار لباقي طبقات المجتمع، وفي أمثل الحالات يشفقون عليهم، يشكون ويبكون التخلف وتستحوذ على عقولهم فكرة ترك كل شيء والبحث عن آفاق أخرى.

هؤلاء يربون بناتهم وأبناءهم على حب الذات وتفضيلها على الآخرين، يهيّئونهم للمنافسة والكسب السريع عوضاً على التآزر والتناصر في سبيل الوطن.

أليس من الأجدر العمل معاً على التغيير بدلاً من الهروب؟

الفاصل بين كل هؤلاء هو التربية السوية، التربية هي الإنسان، هي ثقافة ومسؤولية وليست البتة مرتبطة لا بالمستوى الاجتماعي ولا الثقافي أو الدراسي.

التربية الحسنة المتجانسة أساس المجتمع السوي المتكامل، هي كفيلة بالنهوض بالمجتمعات وتغيير ملامحها دائماً إلى الأفضل، وخير مثال على ذلك كوكب اليابان، تلك البلاد التي استطاعت وفي ظرف زمني معقول أن تصبح من أسمى الأمم، بالتربية ثم التعليم.

أما نحن فنهتم بالتفاصيل ونترك الجوهر، فعندما نُزَوّج شخصين لا أهلية لهما أساساً للزواج، ونطلب منهما أن يسبحا في محيط يجهلان عمقه ونحن نعلم أنهما لم يتعلما السباحة يوماً، فتلك أكبر جريمة؛ لأن هذين الشخصين سيصبحان بحكم القدر أبوين غير مؤهّلَيْن للتربية، وبالتالي تُترك الأمور للعشوائية، وكل ما هو عشوائي آيل للسقوط، وتستمر الحلقة المفرغة.

حان الوقت لنربّي ونهذّب، حان الوقت لنتغاضى عن الطبقية ونتحدث بلغة الأخلاق، حان الوقت لنساعد بعضنا ونكفّ عن الأحكام، حان الوقت لنسمو، لكن ويبقى السؤال: كيف؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.