المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مؤمن سراج الدين Headshot

ما القهر عند السوريين؟

تم النشر: تم التحديث:

ما القهر؟

في سوريا، يأتي بأشكال عديدة ومتنوّعة، فقد تراه كأم حملت تسعة شهور ثم وضعت مولودها صباحاً ليستشهد في المساء إثر قذيفة هاون، أو شظية برميل، أو رصاصة قناصة اخترقت جسده فمات هو عوضاً عن أمّه التي كانت تحمله.

قد تراه أيضاً على شكل طفل صغير ذهب إلى مدرستهِ في العام الماضي، وما زالت أمهُ إلى الآن تنتظره على وجبة الغداء، وحيدة بعدما هاجرت العائلة إلى أوروبا، فهي أبت الذهاب خوفاً من أن يعود ابنها في يوم من الأيام فلا يجد أحداً.

ربّما أثناء دخولك إلى مدخل البناء الذي تقطنه ستسمع أصوات العويل والبكاء لتكتشف أخيراً أنّهُ قادم من بيتك، تصعد مسرعاً، تفجع بأبيك الذي مضى على غيابه أكثر من سنتين، ملقى على الأرض بلباسٍ أبيض، وألوان زرقاء وبنفسجيّة ملأت وجهه الجميل..

في القبور أيضاً، ستشعر بالقهر، عند رؤيتك لعجوز تبحث عن قبر ابنها الذي تركها مع أفراد العائلة وحيدة في تفجير كان المخطط أن يستهدف وزيراً أو ضابطاً فقتل العشرات من الأبرياء بدلاً عن المستهدف، وعوائل سكنت القبور، بعد أن حولت الغارات الجوّية بيوتهم إلى ركام وحجارة.

ستقهر عندما ترى الرؤوس تجز، والنساء تعدم، والعلماء تعتقل، والصحفيون يخطفون، والمصورون يقنصون، والمقاتلون يُغتالون من قبل مقاتلون، والقاضي العادل في السجون، والأملاك العامّة غنيمة بدلاً أن توزع على الفقراء والمحتاجين، والمدخّن كافراً، والتي لا تلبس خماراً مرتدّةً عن دينها...

ستدرك القهر عندما يصبح اللون الأحمر، سيد الموقف، وعندما تصبح رائحة الموت، المعتادة والمستمرّة، وأخبار السوء، المسموعة دوماً، ومشاهد الدمار، في تواصل، أمّا الفرح فأنت على يقين بأنه بعيد كل البعد بعد أن فقدت معظم أصدقائك وعائلتك، حين تصبح أخبار الموت مجرد "هاشتاغات" على مواقع التواصل الاجتماعي...

سترى القهر مع أطفال ولدوا بالشوارع، أو ماتوا تحت الحجارة وركام الأبنية، أو ألقوا على شواطئ البحار، أو اختنقوا في صندوق حديدي لشاحنة على أحد الطرق السريعة، أو حملوا السلاح ليقاتلوا مع هذا وذاك، بعد أن فقدوا كل شيء، وبعد أن أصبحت ساحات اللعب مياديناً للقتال والمعارك، أو دخلوا سوق العمل تاركين دراستهم، إذ أصبحوا معيلين لعائلاتهم في بلدان الجوار.

ستشعر بالقهر عندما تكون في خيمة، لا تستطيع النوم فتسأل الموت؟ من ستأخذ في الشتاء القادم؟ وتسأل السماء كم ستمطرين هذا العام؟ هل سترسلين الثلوج؟ ألم تري ماذا فعلت الثلوج في العام الماضي؟.

وعبر شاشات التلفاز أيضاً، سيأتيك القهر على شكل لاجئين قابعين في العراء بين حدود دولتين، تحت المطر، تضربهم الرياح، بلا دواء ولا غذاء، ولا حتّى مستوصفا قريباً منهم، فارّين من أسوأ كوابيس حياتهم، هاربين من ويلات الحرب ومرارتها...

ستقهر عندما تحسد على وضعك كونك لاجئ في أوروبا، عندما تصبح مادة دسمة للإعلام، وحديثاً للشارع، في الوقت الذي تكون فيه، مجرد رقم في دفاتر الأمم المتّحدة والمنظّمات الخيريّة..

ما يزيدك قهراً، أحاديث الناس التي غلبت عليها الطائفية، والحقد الدفين الذي زرعه شيوخ الفتنة من كل الأطراف والطوائف، وخطابات الكراهية، والتصريحات السياسيّة، والمؤتمرات، والمحادثات...

كل هذا ودواليك، السؤال الأنسب هو، ما الفرح عند السوريين؟ باختصار، أن تنتهي الحرب، ويحاسب المجرم...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع