المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مؤمن سراج الدين Headshot

من واقع السوريين وآلامهم..

تم النشر: تم التحديث:

كم من أمٍّ اليوم، تنتظر عودة ابنها، كم من أبٍ يقبع خلف القضبان حرم من رؤية أطفاله، كم من أختٍ شاهدت أخاها يغرق، كم من طفل رأى أمه تبكي حزنًا على فراق أخيه، كم من شابٍّ ترك دراسته ودخل سوق العمل ليعين أباه في بلاد اللجوء، كم من عائلات فرقتهم الحروب والاتجاهات السياسيّة، كم من أصدقاء أصبحوا أعداء في ميادين القتال، كم من أطفال ماتوا اختناقًا بالغازات السامّة، كم من حاملٍ في المعتقلات والسجون، كم وكم وكم...

وبالمقابل، كم من فقير اغتنى، وكم من أحزاب أصبحت ميليشيات، وكم من "حشّاش" أصبح أميرًا، وكم من جندي يفترض أنّهُ سيحمي الشعب لينقلب ضده، وكم من منظّمةٍ خيريّة لا تفعل خيرًا، وكم من فصيل لبس عباءة الدين وجعلها تجارة رابحة بالنسبة له، كم وكم وكم...

كم من أشخاص نالوا ما لا يستحقونه، وكم من أشخاص حرموا من أبسط حقوقهم البدهيّة...

هذا هو الحال في بلدي سوريا للأسف، فلا يصعب عليك أبدًا إن كنت في مناطق سيطرة النظام أن تشاهد عائلات تنام في الحدائق، أو أمًّا ترضع ابنها، جالسة على حافة الرّصيف، تنتظر من المارّةِ أن يعطوها ما تستطيع به شراء الطعام لطفلها، أو طفلًا يتجوّل في الطرقات لبيع الأقلام أو الورود أو البسكويت، لأن والده لم يعد يستطع العمل بعد أن أصبح معاقًا بفعل الحرب..

وإن كنت في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، لا يصعب عليك مشاهدة أم تجمع أشلاء ابنها، أو صبي ينتشل من بين الأنقاض، أو رغيف خبز امتزج بالدماء، أو أب يودّعُ ابنه الذي قضى أثناء الاشتباكات، أو طبيبٍ يطلق نداءات استغاثة بعدما قصفت طائرات نظام الأسد المشفى العامل به والوحيد في منطقته..

وإن كنت في الدول المجاورة لسوريا، تحتاج فقط أن تذهب إلى المخيّمات، لترى عائلة تنام في خيمة لا تقيهم برد الشتاء ولا حر الصيف، لتسمع قصصًا عن أطفال دخلوا سوق العمل، ولفتيات قاصرات زوجوا، ولآباء اعتقلوا بتهمة أنهم إرهابيون..

وإن كنت جالسًا على أريكتك تشاهد التلفاز أو جالسًا وراء شاشة كمبيوترك، فستشاهد مقاطع فيديو لسوريين يغرقون، أو يستغيثون، لسوريين يضربون بالعصي ويرمون بقنابل مسيلة للدموع، لسوريين عالقين في العراء بين حدود دولتين أوروبيتين، لسوريين عالقين في محطّات القطارات، لسوريين توفوا في شاحنات تبريد، لسوريين بيعت أعضاءهم، لسوريين اختفوا فجأة في أوروبا، ولم يعرف عنهم شيء حتى الآن..

وإن كنت سوريًّا، فلا يحق لك النظر، ولا يحق لك الإحساس، ولا يحق لك السماع، ولا يحق لك إبداء رأيك، ولا يحق لك أن تطالب، فقط يحق لك أن تعيش بصمت، وتدع حكام العالم هم من يقودون القطار، قطار موتك أو عيشك..

وإن كنت عربيًّا، ولست سوريًّا، عليك فقط أن تخجل من حكّامك الذين أغلقوا أبوابهم أمام لاجئين مستضعفين هربوا من نيران حرب زادت من لهيبها، سياساتهم وتحرّكاتهم، عليك أن تخجل من حملةٍ خجولة تنادي باستضافة اللاجئين السوريين فتجد الأصوات الرافضة لها أكثر بكثير من أصوات القائمين عليها، عليك أن تخجل من إعلامٍ وجّهَ خطاب كراهية لسوريين فرّوا من أسوأ كوابيس حياتهم، ليجدوا أنفسهم أمام قوانين بلد فرض قيودًا على تحرّكاتهم، ومنعهم من العمل، والدراسة..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع