المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مولاي علي الأمغاري Headshot

أوروبا الكيان المريض "1"| توظيف أوروبا لقيم الديمقراطية لخدمة مصالحها فقط

تم النشر: تم التحديث:

الممارسات الأوروبية اللاديمقراطية الأخيرة تجاه حملات "نعم" للتعديلات الدستورية التركية كشفت النفاق الأوروبي تجاه حرصهم على الديمقراطية وثقافتها، ومحاولتهم الفجة للتدخل في الشؤون الداخلية التركية.

الغرب عموماً، وأوروبا خاصة، نصبت نفسها حارسة الديمقراطية، والمثال الأعلى الذي يجب على كل العالم شرقه وغربه وجنوبه الاقتداء به، أنها أحرقت ملايين الدولارات لدعم البرامج الديمقراطية في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، ونشر ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلم والتعايش والتسامح والحرية بين شعوب هذه القارات، كما تسلّط مؤسساتها البرلمانية والحقوقية والمدنية على التجارب الديمقراطية الناشئة تقييماً وانتقاداً ومدحاً.

لهذه الأنشطة والأعمال غاية أساس قد تكون الوحيدة، وهي تحقيق مصالحها بهذه البلدان، والتحكم بهذه الشعوب ومقدراتها، وليس حباً في الديمقراطية وثقافتها، ولهذه الحقيقة شواهد كثيرة، أهمها في نظر الإنسان العربي موقف أوروبا البارد من ثورات الربيع العربي، وصمتها الخائن تجاه الثورات المضادة والانقلابات العسكرية بهذه البلدان.

يُضاف إليها موقفها الأخير من انقلاب 15 يوليو/تموز 2016 بتركيا، الذي اعتبره الساسة الأتراك موقفاً متخاذلاً وردة واضحة عن القيم الأوروبية والإنسانية، وبلغ انتقاد الأتراك لهذا الموقف إلى التشكيك في رفض الاتحاد وبلدانه للمحاولة الانقلابية الفاشلة، وأن أوروبا كانت تمنّي نفسها بنجاح الانقلاب وسقوط حكم العدالة والتنمية بتركيا.

هذا ما أكده الرئيس التركي الطيب أردوغان خلال مراسم افتتاح مشاريع تنموية بولاية أفيون قبل أيام بقوله: "إن احتمال تركيا لتحقيق أهدافها لعام 2023 يقلق الأوروبيين كثيراً حتى إنهم لا يخجلون بالدوس على القيم التي وضعوها لأنفسهم، الأوروبيون يعرفون جيداً ما ستأتي به نتائج الاستفتاء الشعبي 16 أبريل/نيسان، من خير للأتراك وتركيا، وهم يدركون جيداً حقيقة هذا الإصلاح السياسي الكبير، وسيكونون قد ودعوا آمالهم إلى الأبد في تحقيق رغباتهم التي فشلوا في تحقيقها في ليلة الانقلاب 15 يوليو".

التعديلات الدستورية ونهاية الحقبة الأتاتوركية الفاشلة

ما زالت أوروبا مصرة على رفض واقع أن "تركيا الأتاتوركية" أصبحت من الماضي، وأن الجمهورية التركية مقبلة على عهد جديد بأهداف ورؤى استراتيجية تسعى للقطيعة مع الماضي الأتاتوركي الفاشل، والذي جعل من تركيا "دولة وظيفية" في أحسن تقييم لتاريخ الجمهورية التركية الأولى، جمهورية الانقلابات والتضييق على الحريات ومحاربة كل مظاهر الثقافية والحضارية الإسلامية، بلد الأزمات الاقتصادية والمالية، بلد يكاد يكون الاكتفاء الذاتي فيه غريباً ونادراً.

أوروبا تعلم علم اليقين دور التعديلات الدستورية في وضع نقطة النهاية للجمهورية التركية الأتاتوركية، وبداية الجمهورية التركية الثانية، بالانتقال إلى نظام الرئاسي الذي يمنح تركيا الاستقرار السياسي اللازم لاستمرار مسيرة النهضة وتحقيق أهداف الرؤية الثلاثية الاستراتيجية، بدل النظام البرلماني الذي ينتج حكومات عبر انتخابات مجلس النواب، تعيق البيروقراطية العسكرية والقضائية سيرها في اتخاذ القرارات الحاسمة والمصيرية، وفي المقابل تمكن التعديلات الدستورية الجديدة من مساءلة السلطة في الجانب التنفيذي، كما تقوي نفوذ الشعب في محاسبة رأس السلطة التنفيذية "رئيس الجمهورية" عن طريق صناديق الاقتراع، والتي ستحكم على عمل رئيس الجمهورية وحكومته طيلة فترة رئاسته الممتدة لخمس سنوات، فالتحول إلى النظام الرئاسي سيجنب تركيا الزلزال السياسي واللااستقرار الذي ينتج عن الحكومات الائتلافية في حالة عدم فوز أحد الأحزاب التركية بالأغلبية المطلقة في الانتخابات البرلمانية.

أوروبا وأعراض المرض

لكن العجيب في موقف أوروبا من هذه التعديلات -التي طبعاً ليس في صالحها الاستقرار السياسي بتركيا- أن الساسة والخبراء والأكاديميين الأوروبيين وحتى الإعلام بأنواعه، لم يناقش مضامين ومحتوى المواد الدستورية التي يتضمنها الدستور الجديد، فكل أولئك اختصروا الغاية من التعديلات في جملة واحدة "تركيا بنجاح حملة نعم يوم 16 أبريل ستتحول إلى جمهورية ديكتاتورية، وأردوغان إلى حاكم مستبد".

إن مواقف أوروبا الأخيرة تدل على عدم استيعابها لحقيقة أن العدالة والتنمية التركي قام بنهضة شاملة حوَّلت الجمهورية التركية إلى "تركيا جديدة" قوية متحررة من الوصاية الدولية والإملاءات الغربية، فكانت هذه المواقف والتصريحات الأوروبية غير المنضبطة واللاديمقراطية جعلت أوروبا كالمريض بالحمى يهذي بكل ما في عقله.

قال "ديديه بيليون"، نائب رئيس معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية الفرنسي: ".. إن الأوروبيين عاجزون عن فهم إنجازات أردوغان في بلده.. تركيا لم تعد ذلك البلد الصغير الذي تتحكم به أوروبا.. نحن الآن في أوروبا (الرجل المريض) وليس تركيا".

ومن أمثلة تصريحات "أوروبا المريضة" ما جاء عن "نوربيرت روتغين"، العضو في المجلس الفيدرالي الألماني: "إن مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ستنتهي في حال خرجت نتائج التصويت على الاستفتاء بنعم".
(يُتبَع)

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.