المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد مجدي  Headshot

معركة اللحية

تم النشر: تم التحديث:

منذ فترة قريبة، طالَعنا الشيخ الدكتور سلمان العودة بفيديو يتحدث فيه لمحبّيه عن تقصير لحيته، وعن استهجان بعض محبّيه لفعلته، وساق أقوالاً للفقهاء من المذاهب المختلفة، تتحدث عن تهذيب وتقصير وتشذيب اللحية.

والحقيقة، لقد جعلني هذا الفيديو القصير أجترُّ ذكرياتي في أثناء دراستي بالمرحلة المتوسطة والثانوية، في أحد البلاد الخليجية؛ حيث كان الإسلام يتلخص عندنا ببدايات الالتزام في قضايا الهدي الظاهر، وكان الرجل يعدّ ملتزماً وقتها إذا أعفى لحيته وقصَّر ثوبه، لا اعتبار لما سوى ذلك من مضامين.

ولا أنسى أبداً صديقاً لي قال لي وقتها إنه قال لامرأة في السوق تضع عباءتها على كتفها رغم ارتدائها النقاب: يا سافرة؛ لأنه يعتقد أن هذا اللباس بهذه الطريقة يظهر جسد المرأة، أو ذاك الصديق الذي قسا على والده في الحديث؛ لأنه كان يحلق لحيته.. إلى آخر هذه المهاترات التي لا قيمة لها.

حقيقة لا أستطيع لوم نفسي وأقراني وقتها بقدر لوم المشايخ والعلماء الذين كنا نتلقَّف أقوالهم وعلومهم وتوجيهاتهم، أولئك المشايخ الذين انحرفت بوصلتهم عن الطريق الصحيح، وصيّروا قضايا الإسلام الكبرى فروعاً لا يتكلمون فيها، وجعلوا من الفروع قضايا كبرى يفاصلون ويخاصمون ويحبون ويبغضون من أجلها ، أو اجترّوا معارك قديمة وخصومات علمية بين فرقة وأخرى طوتها صفحات الزمان؛ ليملأوا بها أوقاتهم، ويشغلوا بها تلاميذهم، ويجعلوا انتصارهم في عرضها ومناقشتها كأنه إعلاء لراية الدين.

لست ممن يتنكرون لأهل الفضل، فمشايخي هؤلاء جميعهم أصحاب فضل عليَّ لا أنساه ولا أنساهم في دعائي.

لكن القضية هنا تتحدث عن سلوك مدارس علمية ودعوية كبرى، كان هذا السلوك الصادر منا معشر الشباب الصغار هو أحد انعكاساتها.

كم من معركة كبرى خُضناها باسم الحلال والحرام، صرفنا فيها كثيراً من الوقت والجهد، وخاصمنا وصالحنا من أجل أمور أكثر ما فيها أنَّ تَرْكها لا يتعدَّى الكراهة، وفعلها لا يتعدى مرتبة المندوب.

والناظر المتمعن يجد نفسه أمام سؤال مفاده: كم احتلت قضايا الهدي الظاهر من كتب الأئمة وقضاياهم ومشاكلهم وحواراتهم ومناظراتهم؟

هل هذه القضايا التي تدخل في مسائل الفروع، وبعضها يندرج تحت بند الخلافيات تستحق كل هذا الإنكار، رغم ما استقرَّ عند أهل العلم من أنه لا إنكار في المختلف فيه؟!
أم أن القضايا الخلافية بين المذاهب التي انتهت معاركها من ألف عام -والتي لن ينال الأمة من إعادة إثارتها إلا ضياع الوقت والجهد- تنتظر حلولاً عبقرية على يدي فوارس الزمان الحاضر لتحل الخلاف القديم؟

لا أدري هل انتهت القضايا الكبرى من ساحتنا وحلّت كل مشاكلنا حتى ننتبه لهذه الفروع أم أن هناك رغبة في لفت الانتباه عن القضايا الكبرى إلى فروع تَرْكها أو فعلها لن يزيد أو ينقص في حال الأمة شيئاً؟

إن سيطرة هذا النمط الديني في مدارسنا العلمية وتوجهاتنا الدعوية هي كارثة ماحقة تحرف بوصلة الأمة عن الاتجاه الصحيح، وتبقيها متردية في عصور الجهالة والضياع، وتحقق للظالمين مآربهم، إنه الدين المنزوع الأظافر الذي لا يهتم للقيام بالدين أو الاهتمام بشؤون المسلمين أو للحريات أو رفض الظلم.

إنه العلم الشرعي الذي يرسخ للظالمين كراسيهم، ويؤيد المبطلين في باطلهم، أو يسكت عنها، لا ينازعهم في كبيرة ولا صغيرة.

ولأن قلبت وجهك في صفحات بعض الدعاة والمشايخ ممن يتصدرون الحديث للناس في الفضائيات، أو على صفحات التواصل الاجتماعي، ويباركون توجهات حكامهم، هل تحدثوا في قضية القدس وما يحدث فيها أو حصار غزة ومآسيه -رغم مركزية قضية فلسطين ووضوحها- لن تجد منهم شيئاً، لا تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً.

إن واجب العلماء أن يقفوا موقف الحق حتى وإن أوذوا في سبيل كلمة الحق، وأنا هنا لا أزايد على أحد، ولا أتحدث عن أحد بعينه، لكني أستحضر موقف الإمام أحمد يوم أن وقف في وجه المأمون والمعتزلة رافضاً القول بخلق القرآن، خشية أن يفتتن الناس، وهذا ما ينبغي أن يعيه العلماء في هذا الزمان.

إن انصراف العلماء عن الواجبات والمهمات إلى ما دونها من أمور الفروع يعد صرفاً للدين عن حقيقته، وما كان هذا إلا بسبب ما حباهم الله تعالى من منزلة بين الناس، وما أقامهم فيه ربنا تعالى من موقف الدلالة على الله تعالى وعلى دينه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.