المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

معاذ يوسف Headshot

لم يجب على من يحملون فكرا إسلاميا أن يغلقوا أفواههم؟

تم النشر: تم التحديث:

كوني مطالع جيد للعديد من المواقع الإلكترونية لعديد من الصحف العربية ووكالات الأنباء العالمية أجدني في عديد من الأحيان مضطرا للتحول من قراءة بعض المقالات إلى أخرى ليس لان الموضوع ممل أو مزعج بل لان طريقة تحرير المقال فيها كثير من عدم الموضوعية. وهذا أمر مفهوم كون كاتب المقال أو الخبر يعبر عن وجهة نظره. وقد درج الكتاب في القرون الأخيرة إلى اختزال ما يكتبون لتحوي فقط وجهة نظرهم مع إغفال وجهات النظر الأخرى. هذه الطريقة متبعة على نحو واسع في الصحافة المكتوبة في العالم الافتراضي أو في الصحاف الورقية.

حين يكون هناك نقاش حول موضع ما ونرى بان من يواجهنا ينطلق من أيدلوجية معاكسة لما أنا عليه فانه يجن جنوننا ونبدأ بوصف مخالفنا بأقذع الشتائم والأوصاف لأننا وبكل بساط لا نملك حجج نرد بها عليه. صحيح أننا مقتنعون بأفكارنا. لكان هذا لا يعني بان من يخالفنا مستعد للتخلي عن أفكاره وكما أن لنا كامل الحق في التعبير السلمي عن أفكارنا ومعتقداتنا لمخالفنا كامل الحق كذلك بالتعبير السلمي كذلك مهما بدا لنا أن أفكاره لا تناسب الأيدولوجية التي ننطلق منها.

أصبح الهوس هذه الأيام بالانتقام من كل من له مرجعيه ديني ويتحدث في أمر العامة، ابتداء من التعليم، الخطابة على المنابر، المهرجانات الثقافية، الاقتصاد وحتى قانون الانتخاب. العديد من المقالات تنسب أصحاب هكذا تيار بأنهم داعشيون ويعملون على دعشنة المجتمع متخلفون. (كلمة دعشنه وداعشيون لم يتم بعد اضافتهما إلى قاموس التصحيح التلقائي). اليساريون يضيقون بأي منحى ديني أو أي تبرير ديني حتى لو تسلموا بما هو ضد مبادئهم (الديموقراطية). المجتمع المسلم منذ وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن لهم مرجعيه دينيه واحدة بل كانت هنالك العديد منها فلم يتسلط صاحب دين برقاب الناس مطلقا لمنفعة شخصيه بل إن التسلط بدء مع انهماك صاحب السلطان بتوطيد حكمه فاستغل الدين لمنفعته الخاصة. العكس كان يجري في الإمبراطورية البيزنطية وما خلفها من دويلات. فكان البابا هو الأمر الناهي وكان الناس ممنوعون من العلم، ولا أريد أن اتبحر في أمثلة كثيرة منها جاليليو وغيره كثير.

أن يدعي أصحاب الدين الوصاية على المجتمع هذا وارد لكن المجتمع لم يسمح على الإطلاق بهذا وصاية إلا في القرون الأخير مع انتشار المذهب الوهابي(السلفية) والإخوان المسلمين قطبي حركات الإسلام السياسي في العصر الحديث. المجتمع قبل بكذا وصاية لسببين: الأول تحالف السلطة الحاكمة معه والثاني جهل الناس بأمور دينهم ودنياهم.

لكن الغريب الآن أن هناك تيارا علمانيا يريد فرض وصاية على المجتمع بدعوى محاربة الفكر المتطرف، ويدعي أن الناس تنقاد لمن يظهرون ميلا للدين الإسلامي. لقد تناسى هؤلاء أن بنية هوية المجتمع العربي هي أولا الدين ثم القومية. والأمثلة على ذلك كثير فلو أخذنا مثلا مشكلة أقلية الراخين في ميانمار (بورما) لوجدنا تعاطف العالم العربي بكل أطياف وكان الدافع لهذا التعاطف أولا دينيا لكونهم مسلمين ثم إنسانيا للمذابح التي حصلت لهم من قبل المتطرفين البوذيين وكان هذا الدافع موجها للتبرع بالنقود لهم من خلال الجمعيات الإسلامية. بالمقابل ضحايا زلزال وتسونامي اليابان جلب للمنكوبين التعاطف بالمشاعر وكان التبرع قليلا.

لا تستطيع الطبقات المخملية أن تنزع عن أي مجتمع هويته بالقوة أو فرض الآراء عليه، فمن تجربة الاحتلال الفرنسي للجزائر لنا عبرة. لا رجال الدين ولا رجال العلمانية يستطيعون أن يربحوا هكذا جولة فالمجتمعات تتطور وإلغاء الآخر ونبزه بأبشع النعوت وصفة للفشل. يربح العلمانيون الأرض لان لهم أذرع في كل مكان، الإعلام، الاقتصاد والثقافة. إنما لا تملك التيارات الدينية مثل هكذا موارد بل أنها أكثر عجزا من أن تمتلكها. والسبب في ذلك أنها لا تطور خطابا حداثا يستند إلى احترام الأخر بل استند إلى خطاب تعبوي جماهيري لا يحل المشاكل بل يقود إلى تأزيمها وما مصر عنا ببعيد.

للناس كل الناس الحق في إبداء آرائهم، والاعتراض على ما يمس أمور حياتهم سواء كانون ينطلقون من الدين أو العادات والتقاليد المجتمعية وعلى أصحاب الفكر العلماني أن يدعو هؤلاء البسطاء من الناس أن يعبرون عن أنفسهم فلستم بأوصياء على المجتمع الواعي. كما أن دور رجال الدين أن يعبروا عن آراءهم في كل المجالات فهم من مكونات المجتمع كغيرهم من العلماء والاقتصاديين وغيرهم. وعلى أفراد المجتمع ان يتمتعوا بحس نقدي ينبع من هويتهم الثقافية العربية والإسلامية.

قد يقول البعض أن أصحاب الدين سعو إلى شيطنة العلمانية والليبراليين فهاذا صحيح وإنما استجاب الناس لهم لأن العلمانيين عادوا المجتمع ليس بالدين فقط وإنما في العادات والتقاليد الباليه بحسبهم.

أدعو إلي أن يتفهم كل منا الآخر فلكم دينكم ولي دين.