المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى سرور Headshot

ادّي العمى حقّه يا شافعي

تم النشر: تم التحديث:

كان الموسيقار الراحل عمار الشريعي يملك مواهب عدة جميلة، كان أبرزها فن التأليف الموسيقي، إلى جانب خفَّة الدم والحياة الاجتماعية الصاخبة.

ومن أبرز مواهبه قدرتُه على الحكيّ، والحكيّ مهمة ليست سهلة، فهي تحتاج إلى ملكة وفن، وليس مجرد سرد لحديث، وكان الشريعي حكّاء جميلاً يعلم ماذا ومتى وكيف يحكي، ويتقن جداً الاستحواذ على اهتمام سامعيه بتمكّن عالٍ من عناصر التشويق حتى يصل بهم إلى نهاية تحمل عظة أو طُرفة.

ومن أجمل حكايات الشريعي تلك التي حكاها عن أنه في طفولته كان تلميذاً في إحدى المدارس المخصصة لمَن هم في حالته من الأطفال الذين يكادون أن يكونوا فاقدي البصر تماماً، وكان هناك زميل له طفل اسمه شافعي، وكانت هواية شافعي في أوقات اللعب في المدرسة رغم شبه الإعاقة البصرية الكاملة التي تصيبه كانت هوايته أن يسير بخطى ثقيلة منتظمة، ويُصدر من فمِه صوت القطار، ثم يبدأ في تصاعُد العَدْو والصوت مقلّداً القطار، وكان زملاؤه يحاولون تجنّبه بقدر الإمكان، معتمدين على صوته الذي ينبههم إلى خطر الاصطدام.

إلا أنه في يوم وبينما شافعي يمارس هوايته إذا بهم يسمعون صوت اصطدام قوي، فيهرعون لمعرفة الموضوع، فإذا بهم يجدون زميلهم شافعي في دور القطار قد اصطدم بمدرسهم الأستاذ باسيلي، الذي تورم وجهه وسالت دماؤه باصطدامه بأسنان شافعي، وأخذوا يطيبون خاطر الأستاذ باسيلي، ويضمدون جراحه، بينما الأستاذ باسيلي يمسك بشافعي في هدوء حتى هدأت الأمور واستكانت، فإذا بالأستاذ باسيلي يقول لشافعي في حكمة مشفقة: يا شافعي ادّي العمى حقّه.

نعم هذه هي الحكمة من الحكاية، يجب ألا نعاند أقدارنا، وليس في هذا معنى للاستسلام، بل المعنى هنا للتعامل الذكي مع الأقدار.

ليس هناك أي نجاح في معاندة الأقدار، بل النجاح كله في معايشتها، والتغلب الذكي الأريب عليها.

فقد تسلبنا أقدارنا بعضاً مما تهب لآخرين أو مما نظنه حقاً طبيعياً لنا، فعلينا ألا نضيّع حياتنا في البحث عما سلب منا، ونهدر طاقاتنا في السير في طريق وهمي لن يصل بنا إلا إلى كثير من المعاناة والتخبّط.

علينا أن نجيد استثمار ما حبتنا به الأقدار ونستغله حتى لا يكون لما لم نملك أي فارق.

إن الأرزاق كما توزعت تنوعت، وما جعلت يوماً صنفاً واحداً، بل كانت جمّاً شتى، ولكل نصيبه، فمن أخذه مباركاً كثيراً فهو ومن رآه مخبوساً قليلاً فكما رآه.

افتح خزانتك وانظر واشكر، فما عندك أكثر من الكثير، وما يرنو إليه بصرك ليس كما تظنه ينقصك، بل لعله إن أتاك لم يزِدك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.