المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى سرور Headshot

ليلة إعدام القائد

تم النشر: تم التحديث:

سجين 1 إذا فلأذهب لأبدأ صلاتي.
سجين 2 كأنك لم تسمعني أو لعلك لا تصدقني، قلت لك إني رأيتهم ينظفون الطرقات ويعلقون الرايات، وهذا لا يعني سوى حضور جلالة الملك، ومعه الكاردينال الأعظم صباحاً، مما يؤكد أن غداً هو موعد إعدامك.. لم تبق لك في الحياة سوى تلك السويعات التي تفصلنا عن ضوء الفجر، وتقول لي ستبدأ صلاتك الآن.

سجين 1 نعم قد يكون هذا هو أنسب وقت لأناجي الرب وأسترحمه.
سجين 2 أراك محقاً معذرة لكني كنت أريد التحدث معك... هناك كثير أريد أن أسألك إياه.

سجين 1 سل ما شئت غداً صباحاً لن تجد من يجيبك.
سجين 2 ما لي أراك مطمئناً، أين الخوف؟ أين الوجل؟ لقد كانت حياتك حافلة، كيف تنظر الآن إلى ما مضى؟

سجين 1 لست خائفاً ما ينتظرني ليس أكثر من لحظة ألم على منصة الإعدام، وبعدها فليكن ما يكون، كانت حياتي حافلة، حاولت أن أهدي الناس، أن أرشدهم إلى الحق، وكان ما كان.... كنت أقرب إلى النجاح ربما أكون فعلاً نجحت، لكن لم تمهلني الأيام لأقطف ثمر نجاحي، لا يهم، المهم أن دعوة الحق صدحت ومسيرة الهدى بدأت، وسيكملها بعدي غيري، ولو بعد حين.
سجين 2 هل تعلم أنه رغم أني كنت من أقرب مساعديك وأخلص رجالك، إلا أنك ظللت لي لغزاً، وها هي الأيام تمضي والرحلة توشك على الانتهاء، ولم أعلم حل اللغز... قل لي بالله عليك هل كنت مؤمناً بما تنادي به؟ هل كنت في قرارة نفسك ترى ما تدعو إليه هو الحق؟

سجين 1 وأين تراني الآن؟ إن سؤالك غير منطقي لمن يستعد للموت بعد سويعات أوليس هذا يجعلك تصدقني؟
سجين 2 لا يا سيدي، بل بالعكس إن موقفك هذا يزيد شكوكي ويطيل حيرتي أنا وأنت نعلم جيداً أنه كان بإمكانك أن تتفادى كل هذا، ولكن للعجب كنت أنت كمن يدفع الأحداث إلى هذا... دعني أسألك ألم يكن من الأفضل لك ولرسالتك أن تظل بين أتباعك تدعو وتعلم وترشد؟ لماذا دفعت الأحداث إلى التصاعد حتى وصلنا إلى ما نحن فيه؟

سجين 1 هذا هو الفرق بيني وبين غيري أكنت تريدني أن يراني الجميع وأنا أتفاوض وأتنازل؟ أكنت تريدني أن أدعوهم إلى الانسحاب والتخاذل؟ لا يا عزيزي حياتنا أرخص ونبذلها طائعين راضين فداء للرسالة والدعوة.
سجين 2 وما ستجنيه الدعوة من موتك وإن كان هذا صحيحا خبرني ماذا عن الآلاف من أتباع الدعوة الذين قتلوا وسجنوا وشردوا بناء على أمرك لهم بالثبات والصمود ووعدك لهم بالجنة والفردوس؟

سجين 1 سأجيبك عزيزي، أما عن الدعوة فستستفيد من موتي حتماً، وأيما استفادة من غد سيكون عندهم شهيد يحكون عنه وبطل يتباهون به، اعلم يا أخي أن الشهيد في الملاحم أكثر بريقاً من البطل المنتصر، أنا أعلم منك بطبائع نفوسهم، إنهم يريدون المظلمة لا النصرة، كيف لهم أن يهاجموا مليكهم إلا وهم يحملون قميصي وعليه دمي، فهكذا سيكون الملك ظالماً قاتلاً... وها أنا أعطيهم دليل ظلمه وجبروته، يا عزيزي، هكذا تكون اللعبة لون الدماء يلهب الثوار، ورائحة الموت تخيف الحكام، اسمعني إن أردت أتباعاً بالملايين لا تحدثهم عن نبلك وشرفك، ولكن صح فيهم عن ظلم الحاكم وفساد القادة فما بالك بدليل مرصع بالدم.... أما عن هؤلاء الذين سبقوني بالشهادة، فهذا كان اختيارهم وإرادتهم كان بيننا ما هو غير مسموع ولا مرئي، ولكني كنت أقرأه في أعينهم، كان موتهم آخر فرصة لهم ليكونوا، لقد عاشوا دنياهم وكأنهم ليسوا فيها، فأعطيتهم أنا الآخرة يدخلونها أبطالاً وشهداء وإن لم يكن لهم في الدنيا فعل فها قد أصبح لهم أثر وذكرى... أما وعدي لهم بالجنة فما أنا من وعد بل الخالق فقط أنا وضعت لهم هذا الوعد أمام أعينهم.

سجين 2 إذن فهذا كان أساس قراراتك وتصرفاتك لم تكن خالصة للرب، بل كانت من أجل نجاحك أنت وبقية القادة كنتم دوماً تظهرون غير ما تبطنون، أما الأتباع فكانوا مساكين يساقون إلى مصارعهم تحت راية مزيفة وشعار كاذب.

سجين 1 كلا يا عزيزي، لم يكن الأمر كذلك، إننا ضحينا بكل ما نملك من صحة ومال وعيال حتى تنتشر الدعوة، ونحق الحق ونزهق الباطل، ولكن كما ضحينا لابد أن يضحي غيرنا، والثمن فلندفعه جميعاً.

سجين 2 أراني أرهقتك لكن معذرة سؤال أخير.
سجين 1 يكفي هذا، دع سؤالك معك.

وينتظران الغنائم فى خيمتين
حريرتين، من الجهتين
يموت الجنود، مراراً
ولا يعلمون إلى الآن
من كان، منتصراً..
"محمود درويش"

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.