المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى سرور Headshot

خمسة وجوه ورحلة سفر

تم النشر: تم التحديث:

نيويورك 2013

الوجه الأول: وجه أبيض ممشوق يبدو عليه علامات الراحة، عبد اللطيف الشاب المغربي استقر في نيويورك منذ ثلاثين عاماً، أتى ليرحب بي في مقهاه الأنيق الصغير، عندما لاحظت العاملة أنني عربي أخبرته فأتى سريعاً، وعندما علم أنني مصري صاح مهللاً: أهلاً وسهلاً.

حدثني في مواضيع كثيرة، رجوته لا سياسة، قال لي حاضر، ولكن اعلم أنكم أخطأتم حين شِلتم مبارك دون وجود بديل، فجعلتم أنفسكم مثل الغنم في ملعب الذئاب، استمتعت بالجلوس إليه، أكملت قهوتي، تركته وانصرفت، لم أفكر في كلامه.

الوجه الثاني: وجه إفريقي خالص، كما يقول علماء الأجناس، شديد السواد، أنف مفلطح، شفتان غليظتان، جبهة دائرية، نادلة في مقهى في أشهر ميادين نيويورك، قدمت لي القهوة الإيطالية الرائعة، ثم تفحصتني وسألتني: عربي أنت؟ قلت: نعم، تركتني سريعاً، تتبعتها بعيني، همست في أذن مديرها، شعرت أنها تستأذنه في شيء، عادت سريعاً؛ لتقف بجوار مائدتي، قالت لي: سأسألك في الدين الإسلامي عدة أسئلة، قلت لها: لست عالم دين، أخاف أن أخطئ، ترجتني أسئلة بسيطة، قلت لها: أتمنى أن أساعدك، أخذت تسألني عن الصلاة، الصوم، الحج، الرسول عليه السلام، أجبتها بقدر علمي، تركتني لتستكمل عملها، لم أعلم هل هي مسلمة تستزيد من دينها، أم غير مسلمة تريد أن تعرف، لكنها كانت مهتمة.


الوجه الثالث: وجه ممتلئ مصري أصيل، لا يمكن أن تخطئ في هويته، سائق أتوبيس عام، عندما دخلت إلى الأتوبيس ابتسمت له كأني أعرفه، ناداني مرحباً تعالَ إلى جواري علي هذا اسمه، أخذ يحكي لي أحواله، وكأنه يعرفني منذ عشرات السنين، ولا يريدني أن أتكلم فقط يريدني أن أسمع همومه، نجاحاته، مشواره، أحواله، ثم في جدية شديدة سألني في إلحاح عن أحوال مصر، ضحكت، وقلت له: وانت مالك ومصر، قال لي: إنه لم يتبقَّ له إلا عشر سنوات ليبلغ الستين، يريد بعدها أن يتقاعد ويعود ليعيش في مصر، قال: عايز أرتاح في بلدي بقية عمري، حقي بعد عمر طويل من الشغل والمرمطة أتبسط آخر يومين في بلدي، لازم أرجع مصر أموت فيها، ثم سكت ليبتلع انفعاله، وعاد ليسألني بصرامة: كيف أحوال مصر؟

الوجه الرابع: أميركية الملامح، البياض الشديد، الشعر الأصفر، شبيهة هيلاري، إنها آن المحامية الأميركية في أوهايو، كانت جلستي بجوارها في رحلة الطائرة الطويلة، أخذنا حديثاً طويلاً، بدأ عن فيلم أميركي سياسي شهير، عندما علمت أني في طريقي لقضاء أسبوع في نيويورك، قالت لي: أتمنى أن تكون أعصابك قوية، قضاء أسبوع في نيويورك مغامرة مثيرة ليست سهلة، تذكرتها وأنا في طريق عودتي لبلادي.. ابتسمت.

الوجه الخامس: وجه خليط بين الغربي والشرقي، تغلب عليه الملامح الأوروبية، كريم عراقي مقيم في كندا، أقام معي في الفندق عدة أيام، سهرنا ليلة سوياً، تحدثنا في أمور كثيرة، وفجأة قال لي: البقرة حلوب، قلت له: حاحا، وضحكنا معاً، إنها جزء من رائعة الشيخ إمام الشهيرة، قال لي متأسفاً: تخيل وجدت مصريين لا يعرفون الشيخ إمام، كيف هذا؟ لقد تربينا على أغانيه في العراق، كيف يوجد مصري لا يحفظ أغانيه؟ وأخذنا نتمتم بأغنية حاحا، ولعلع صوتنا في لوبي الفندق: والبقرة حلوب.. حاحا.. تحلب قنطار.. حاحا.. لكن مسلوب.. حاحا.. من أهل الدار.. حاحا.. ولم نضحك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.