المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى سرور Headshot

عاش جناب الوالي

تم النشر: تم التحديث:

لا أريد أن أطيل عليكم؛ فأنتم أعلم مني بمعنى هذه الزيارة الميمونة وتعرفون مثلي كمّ البركة والعز اللذين سينهمران علينا في حال رضاه عنا وانشراح صدر جنابه من زيارتنا..

وتوقف العمدة عن الحديث لحظة نظر فيها مستفسراً في صمت إلى وجه مندوب السراي، فقرأ في وجهه أن استمر، فعاد بصوته عالياً إلى الجمع من أعيان ومشايخ البلدة واستكمل خطابه: لقد أنعم جنابه علينا فاختار بلدتنا لتكون أرض مشروعه الكبير، ثم ها هو يمنّ علينا بزيارة لتفقّد مراحل إتمام المشروع، نريد أن يشعر جنابه بحبنا وتقديرنا لعطاياه.

لقد مررت مع سعادة مندوب السراي على الطرق التي سيسلكها ركب جنابه فسعدت بالرايات المعلقة والصواري العالية، واستبشرت خيراً، فطلة جناب الوالي نعمة من المولى، نسأله أن نكون جديرين بها.

وتنحنح العمدة، فمدت له الأيدي بأكواب الماء فتلقفها سريعاً ليبلل زوره، ثم عاد ليكمل: لستم في حاجة يا أهل البلد الكرام لأعلمكم أنه لا داعي لتقديم أي طلبات أو رفع أي شكاوى فجناب الوالي ورجاله المخلصون يعلمون تمام العلم بطلباتكم ويدرون شكواكم، وضيق الحال ابتلاء، ليس لنا أن نجهر بشكوى منه، وغلاء المعيشة عارض مؤقت، سيزول بكرم الله وجهد جناب الوالي، الذي ما بخل عنكم يوماً وما غفل عن العمل لراحتكم ساعة.

وهنا، سَرَتْ همهمة وتعالت همسات، فنظر العمدة بكل ثبات إلى الجمع وتحولت نبرة صوته الودود إلى الوعيد الخفي، وقال: إننا لن نترك أحداً يعكر صفو فرحتنا بزيارة جنابه، ولم يتمكن أي دخيل على نسيج بلدتنا المسالم الجميل من أن يضايق جنابه أو يأتي ما لا نقبله في حقه.

وفي لمحة خاطفة، نظر إلى وجه سعادة مندوب السراي فوجده ممتعضاً فلاحق الكلام: عليكم جميعاً الالتزام بما عهدناه فيكم من حب للبلدة وولاء لجانب الوالي.. وكما قلت سابقاً، كل الترتيبات الخاصة بالزيارة ستكون من مسؤوليتي الشخصية وليس مسؤولية المأمور أو شيخ البلد كالمعتاد، تستطيعون الانصراف إلى أهاليكم وأعمالكم، وجزاكم الله خيراً.

جلس العمدة جلسته المفضلة التي لا يرتاح إلا بها فوق سطح بيته، ممسكاً بمسبحته الطويلة وناظراً إلى الأفق، حيث تمتد حقول الفلاحين إلى أن تنتهي بمبنى المشروع الضخم: إن خمساً من البلدان المجاورة ترى هذا المبنى وتحسدنا ونحن لا ندري النعمة، مالهم هؤلاء الملاعين! ألا يستطيعون صبراً، نعم هناك غلاء والفقراء لا يستطيعون العيش؛ بل الأغنياء أصبحوا في حال لا يسر، ولكن هناك الصبر، فالمشروع ينهض أمامهم؛ ليرد عليهم وعلى أعداء البلدة من يرغبون في شر البلدة وأهلها، لكن الله قيَّض لهم من ينقذهم جناب الوالي حفظه الله.

ترى ماذا سيكون خلال الزيارة، أن العمدة يعلم ويوقن أن أغلب هؤلاء الأهالي بهم من الجبن ما يكفيهم وفيهم من الطمع ما يمنعهم من أن يعلو لهم صوت أو ترتفع لهم شكوى، أن أقصى ما يفعلونه هو الهمهمة وقد همهموا، وأكثر من ذلك لا يريدون ولا يقدرون.

وأخذ العمدة يبتسم مطمئناً؛ بل أخذ يدندن بما يحفظ من بعض الابتهالات القديمة إلى أن فجأة قفز في ذهنه وأمام مخيلته صورة مسعود، ذلك الأبله العبيط: ما لهذا المعتوه ومالي! ماذا يستطيع أن يفعل؟

تحددت ملامح مسعود في ذهن العمدة؛ وجهه الأسمر الممصوص، وعوده الفارع، وشعره الاشعث، وملابسه البالية، لا أحد يعلم سره في البلدة ولا العمدة نفسه، كل أهالي البلد يعتبرونه قريبهم بلا دليل أو قرينة، يعطفون عليه، ولا أحد يستطيع له أذى؛ بل أكثر من ذلك يحمونه من بعض ترهات الأطفال، الذين قليلاً ما يشاكسونه، وهو يكتفي بأن ينظر لهم باسماً مطمئناً.

لكن خلفه سر لا يعلمه أحد، الوحيد الذي لا يصدق جنونه هو العمدة، ولا يدري لماذا فقط هو على يقين من عقله ورشده؟! مجرد شعور داخلي يملكه هذا الرجل، يدعي العبط والبلاهة لسبب ما لا يعلمه أحد، فقط نظرته الحادة تلك التي لا يقول غير ما تشي به نظرة حادة عميقة، كثيراً ما استقرت في عين العمدة، تُخفيه وتصيبه بقشعريرة، فقط النظرة!

ترى، هل يفعل مسعود ما يعكر صفو الزيارة الهامة، لقد فعلها قبل ذلك عندما بصق في وجه المأمور! وأخرى عندما قذف العمدة بجوال القاذورات! وفي المرتين تلقى من الجزاء ما يكفي؛ من جلد وتعذيب، ثم ما لبث أعيان البلد أن توسطوا له فأخرجه من الحبس.. لقد حاول العمدة أن يقبض عليه ويحبسه قبل الزيارة، فأرسل الغفر يبحثون عنه فلم يجدوا له أثراً وعادوا متعللين باختفائه.

وأخذ العمدة يفكر؛ هل اختفى ذلك المعتوه ليدبر شيئاً؟! هل يجهز لفعلة جديدة؟! واختفت البسمة من وجه العمدة المتأمل في الأفق، وحلّ القلق موضع الأمان في نفسه.

"الله أكبر.. الله أكبر"، كانت تلك هي الصيحة التي تملكت العمدة من دون أن يدري، أخذ يكررها عالية مدوية، وكان في صوته قوة تصل برجرجاتها إلى كل أنحاء البلدة، وذلك عندما رأى تلك الطفلة الجميلة بفستانها الأبيض المطعّم بلون الورد وهي تنثر الزهور على الركب من فوق سطح بيتها، وانتبه الوالي فنظر لها سعيداً مستتبشراً.

كانت تلك واحدة من أهم لقطات يوم زيارة الوالي، وتوالت اللقطات وتوالت الصيحات، وتاهت صيحة "الله أكبر" في هتاف "الحمد لله"، وانتشرت زغاريد السيدات، وما أصاب العمدة كان جميلاً؛ فجسمه يرتفع، ولسانه يلهث، قلبه يكاد من السعادة يتوقف.

وسار الموكب بعد زيارة بيت العمدة، حيث احتسى جناب الوالي شراب الورد المحبب له، وتشرف العمدة بتقبيل يد ولي النِّعم.. وعندما همّ العمدة بأن يقدم وجهاء ومشايخ البلدة ليتشرفوا بالمثول بين يدي جنابه، أشار مندوب السراي إلى أن يكون ذلك هناك في أرض المشروع، فسارع الجمع ليلحق بالركب السعيد، وسار الركب حتى وصل إلى أرض مشروع الأحلام.

وعندما ترجل جناب الوالي من عربته إذا بصوت حادٍّ مدوٍّ سكين يقول: "عاش جناب الوالي.. عاش جناب الوالي"، فنظر الجميع في اتجاه الصوت أعلى غرفة الحراسة بمدخل المشروع: مسعود!... ما هذا! كيف أتى؟! ماذا سيفعل؟!

كان الجميع ينظر في دهشة، إلا العمدة كان يشعر بالخوف والوجل: مالي وهذا الشيطان! ولم يطل انتظارهم كثيراً؛ فقد استمر مسعود في هتافه: عاش جناب الوالي.. عاش جناب الوالي.

وطفت ابتسامات الاطمئنان على الوجوه إلا العمدة؛ فقد ظل مدهوشاً قلقاً، وفجأة خطر في باله خاطر، وسريعاً نظر في وجه مسعود وحدق في عينيه، ولكن وجد عيني مسعود لا تنظران إليه؛ بل هي في اتجاه آخر، وخفق قلب العمدة ولم يستطع أن يفكر في هذا الاحتمال: هل تلاقت أعين مسعود الثاقبة بأعين جناب الوالي.

واستمر مسعود في الهتاف: عاش جناب الوالي... عاش جناب الوالي..

وسار جناب الوالي في طريقه واستكمل اليوم السعيد إلا من ظهور بعض علامات من الضيق على وجه جنابه.

وعاد مسعود إلى حيث أتى، حيث لا يعلم أحد أين.

وفي صباح الغد، بينما كان العمدة يحتسي قهوته في جلسته الصباحية المعهودة مع بعض قليل من وجهاء البلدة، إذا بشيخ الغفر يقتحم الجلسة صارخاً: لقد وجدوا جثة مسعود طافية على سطح الترعة.

مات ولم يعلم أحد كيف راح، ولم يزل صدى هاتفه في الفضاء: عاش جناب الوالي..
ذهب وبقيت منه نظرتان؛ واحدة في قلب العمدة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.