المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى سرور Headshot

عندما بكى أبي

تم النشر: تم التحديث:

أسعد بملازمة أمي كثيراً هذه الأيام، وذلك لظروف حالتها الصحية، وتجمعنا أمسيات الشتاء الطويلة، ولجلسات كبار السن مذاق خاص، فقد اكتشفت أن من تأثير مرور الأيام صفاء الذهن وتوقّد المشاعر، وأجدني سعيداً عندما أجدها تنطلق في حكاياتها القديمة، فهؤلاء الأحباب كبارنا لم يعد يقلقهم مستقبل، ولا يشغلهم حاضر، فهم قليلو التوتر، نادرو العصبية، ماضيهم ثروتهم، وصَفْوهم أجملهم.

وتنساب أمي في حكاياتها، ولا أعلم يقيناً أتسليني لأطيل صحبتها، أم تعلمني وتمسح عني جهالة، أم تثري ذاتها بهذه الحكايات، أم تقول لنفسها خفية ما أحلى ما كانت أيامي!

سرد جميل غير متصل أو متسق، قد يكون هذا جماله أيضاً، رائع في صدقه وعفويته، ففيه التباهي بالبساطة، والفخر بالعطاء، وأحاول قدر استطاعتي ألا أستوضحها شيئاً أو أنفذ إلى خبايا وتفاصيل، فالقصة فقط ما روت، والحكمة فقط ما بدت.

وتحكي أمي عن أيام قاحلة عاشتها بي وإخوتي وقبلنا، لكن تحكيها بزهو وكأنما ابتلاءات الأيام ما هزمتها قط، تحكي عن جدي، وعن أخوالي كيف كانوا يراوغون الأيام، كيف كانوا يستمتعون بحياتهم، وكثيراً ما أردد وأنا أسمعها صدق مَن قال إنما السعادة تكمن في البساطة.
إلا حكاية واحدة عندما تحكيها أحس فيها بانكسارها، ولا أرى عزمها، أسمع في طياتها رنة الألم ورنين الوجع، هذه هي الحكاية.

كانت في مقتبل سنوات زواجها من أبي، وكانا يعيشان في مدينتنا الهادئة الجميلة عيشة صافية، لا يشوبها إلا قلق من توترات سياسية في المنطقة، وسرعان ما صار ما يخشونه واقعاً، وإذا بالحرب تندلع، وإذا بالمدافع تطلق مقذوفاتها، وتتناثر الشظايا، وتندلع الحرائق؛ لتهدم مبنى وتقصف منزلاً.

ولم يكن أمام العائلة الصغيرة إلا الامتثال لقرار الحاكم بالتهجير، ورغم كون أمي تنتمي لإحدى عائلات المدينة العريقة؛ بل تكاد تكون أكبرها قاطبة، فإن طبيعة الأحوال في تلك الأيام لم تكن تسمح إلا بسيارة واحدة لكل فروع العائلة، فانشغلت تلك السيارة بنقل كبار السن إلى العاصمة، وكان أن اتفق أبي وبعض أقاربي مع سائق حافلة على أن يقوم بنقلهم وبعض عائلات الأقارب خارج المدينة بأقصى سرعة، وقد كان، بعد أن تم الترتيب ليتوجه جميع أفرع العائلة إلى منزل كبير بالعاصمة، يملكه بعض أثرياء العائلة، ويسع للكثير يمكثون فيه لراحة أيام،

ثم ينتقلون بعده إلى بلدة أبي، وتم التهجير بسلام، وخرج الجميع سالمين بقليل المتاع، وبمجرد وصولهم إلى العاصمة توقفوا لبعض الراحة عند أول ما لاقوا من الأحياء السكنية، وخرج أبي وأمي من الحافلة؛ أبي يحملني طفلاً رضيعاً، وأمي تحمل أخي الأكبر؛ ليلاقوا سكان الحي الذين خرجوا يتصايحون: "ها هم المهجرون.. ها هم المهجرون"، فإذا بدموع أبي تنساب جارية، وتعيد أمي الجملة، وبكى أبوك بشدة، ثم تنهي القصة كعادتها بسؤال عن الأحوال الحالية.

رغم أن أغلب حكايات أمي تحمل في ثناياها طرفة أو مكرمة، وغالباً ما تنتهي حكاياتها بمقارنة ما سلف من الزمن بما خلف، أو بضحكة رائقة، فإن هذه الحكاية ننهيها وفي الحلوق غصات.

أفكر كثيراً لماذا بكى أبي وهو لم يكن -رحمه الله- ممن تنساب دموعه كثيراً.. هل بكى حزناً لفراق المدينة الهادئة الجميلة؟ لا أظن، فهو لم يأتِها من قريته إلا قبل خمس سنوات، وها هو عائد إلى بلده الصغير وبيته القديم وأهله، ولا أظنه أيضاً بكى خوفاً من أيام مقبلة، فهناك أملاكه البسيطة في بلده ستؤمّن حياته ومتطلبات أسرته الصغيرة.

ولا أظن دموعه العزيزة انسابت من هؤلاء القلة التي تجمعت حول المهجرين؛ لتسلّي فراغها بمأساة الآخرين، فجميع المواطنين كانوا يشاطرون المكلومين أحزانهم.

سبب واحد أراه مبرراً لدموع أبي ألا وهو مزيج من القهر وعدم الأمان؛ إذ كيف لرجل ذاق مرارة المعتقلات السياسية وخبر القمع أن يبكي هكذا إلا لو كان ما شعر به من استلاب أمن فاق ما ذاق مرارته في قبو سجن، أيضاً أرى أنه تحمل ما تحمل في المعتقلات السياسية وهو وحيد يدفع حريته ثمن أفعاله، ويقدم حياته فداء معتقداته، أما وأن مسَّ الأمر زوجته وأطفاله، فالأمر فوق استطاعته، والتحمل فوق إمكانه.

نعم بكى أبي عندما طرق الخطر باب بيته، سالت دموع أبي عندما انشرخ جدار كان يحميه وأطفاله.
إن البسطاء أحلامهم بسيطة، لكن يدافعون عنها بقوة تفوق إمكانياتهم، لا يملكون الكثير، ولكن يقدمون حياتهم نظيره.

لا يوجد أبشع من أن تسلب أسرة بسيطة أمنها وتقهرها، تهجير البشر من مدنهم ليس بالبساطة التي نظنها، إنه استلاب أمن وقهر إنسان، سلوا مَن ذاق فهو أدرى.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.