المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى سرور Headshot

حيواتي

تم النشر: تم التحديث:

أراها أمامي الآن ممتدة تفاصيلها، محددة بلا تداخل، ألوانها متوافقة بلا تنافس، تبعث البهجة وتوحي بالسكينة، عميقة، صاخبة ذلك الصخب الودود. هي دوماً كما عشقتها، أغنية محب، وقصيدة مسافر، لم تكن أبداً حياة واحدة؛ بل كانت حيوات متعددة. نعم، أعني ما أقول؛ ففي يوم تمامي الخمسين أدرك تماماً أني لم أعش حياة واحدة؛ بل كانت حيوات متعددة. لم تكن مراحل متعددة لحياة واحدة فأنا تغيرت كثيراً، تغيرت أفكاري، وأولوياتي تتغير من حولي، تنوعت أسباب فرحي، تبدلت مشاعري، وما كان عادياً صار بعده رائعاً، ومن كان بعيداً أصبح قريباً، والصواب أن الإنسان يعيش كثيراً ويموت مرة واحدة وليس العكس.

منذ فترة وأنا أبحث عن سبب عشقي تلك الصور التي تجمع عدداً من الألوان في تناسق غريب، فلا خيوط محددة تفصلها، ولا امتزاج واضح يجمعها، مثل صور الغروب أو الشروق ترى ألواناً كثيرة؛ أحمر وأزرق وأصفر وكثير آخر، ولكن لا تستطيع أن تحدد أين يبدأ اللون وأين ينتهي.

كثيراً ما عشقت هذه الصور وتبحرت فيها، ولم يكن عندي سبب واضح لذلك العشق، إلا أنني بعد فترة أيقنت أنها تعكس نفسي. كانت تلك حيواتي، تبدأ وتنتهي دون تحديد، ولعل ذلك ما جعلني أؤمن بأنها كانت حيوات متعددة وليست حياة واحدة.

خمسون أتممتها سعيداً مبتهجاً، كما أردت عشتها.. كانوا لي فيها كنهر جارٍ ماؤه، أرتوي منه كشجر وارفٍ ظله ألوذ به، هم الرفاق: أم حنون، وأب نعمة، وأخ سند، وزوجة محبة، وصديق صدوق، وجار مؤتمَن، وقريب كريم، وزميل عضد، ورفيق حارس، وصهر شرف.

كنت من فيضهم في فيض، فما أعطوني إلا الخير، وما علموني إلا الفضل، وما سقَوْني إلا الزُّلال، وما أطعموني إلا الحلال، وما أعانوني إلا على برٍّ، وما ساعدوني إلا على مَكرمة، فحمدتهم إلى الله، وسرت على سيرهم أتلمس خطاهم وأهتدي بنورهم وأتونَّس بحسهم، وأستنشق عبيرهم، فسعدت بطريقي وفرحت بأيامي، وكانوا لي عوناً وشرفاً.

وكانت شموس طريقي مشرقةً، وأقماره منيرة، بين معلم علَّمني، وأستاذ دلَّني، وكاتب أنار لي ظلام عقلي، وكم كثيراً تلقيت منهم دروساً ومساعدات أستعنت بها في طريقي. ولم أفرّق في طريقي بين بائع بسيط ورائد أعمال كبير، تعلمت من الكل، وأدركت في كل أحد فنَّه في الحياة، وأنصتُ إلى كل صوت حكمة، وأي نداء حق اتبعته.

ما راوغتني أيامي قط، كنت أحاول معها قدر استطاعتها واستطاعتي، ولكني كنت وأيامي صادقيْن، أصدقتها أحلامي وأصدقتني أقداري، عاهدتها وصدقت، لم أَسِرْ يوماً إلا في طريق حلمي، البسيط في مقياسه، العظيم في معناه، لم أعطِ حلمي إلا ثمنه العدل، فلم أرهن يومي لغدي قط، ولم أرضَ يوماً أن يكون شبابي ثمناً لشيخوختي، كنت حكماً عدلاً بينهم، فما عمري جريت لرغبة طائشة، ولا انسقْتُ لحرص زائد.

وما زلت في انتظار أحلى أيامي.


وضربني الدهر بضرباته التي لم يفلت منها بشرٌ، فأوجعني أيَّما وجع، ولم يحزنّي قط، تركني الأخ في أول الشباب، وكانت تلك أقسى الضربات فقد أتتني وأنا غَضٌّ لاهٍ، فلم أحسب لها، وظلت توجعني إلى يومي، ثم تركني الأب وترك معي سيرةً عطرةً وأسرة مطمئنة، فترحمت عليه وذهبت أكمل رسالته في الحبيبة أمي وإخوتي قدر ما استطعت، ثم باغتتني أيامي في صديق عمري، مخلِّفةً في نفسي وجعاً لا ينام وجرحاً لا يندمل، فتيقنت من غدرها ومن وجع ضربها، فما آمنت لها يوماً بعد.

وتنوعت ضحكاتي مجلجلة بكثرتها، وتعددت دموعي باكية على قلتها، وكنت صادقاً في هذه وتلك. وعلمتني الأيام أنها إلى زوال وأنها لا تروي ظمأ، فلقّنت نفسي أن حتفها في طمعها وتردّيها في تدنِّيها، فكنت قنوعاً وعشت مترفِّعاً. وعشقت كثيراً كأنما خُلق الجمال من أجلي، وما ترك الهوى لي يوماً لوعة أو حزناً؛ بل روحاً رقراقة وقلباً رفرافاً.

وعرفت نفسي جيداً، فما عاد شيء يسيء إليَّ. سنوات طوال لم أجادل، وأكثر منها لم أبارز؛ من أراد شيئاً فهو له وأنا لا أريد، وكل من رأى في شيء فهذا من شأنه ليس شأني. وشغلتْني نفسي فما تركت لي أن أنشغل بغيري؛ لكلٍّ شأنه، وكما قال صالح: "أوثق ما ألاقي به ربي سلامة صدري وتركي ما لا يعنيني".

وتعلمت أنه لا أحد يمكن أن يسيء إليّ؛ فلم يعطَ أحد هذا الحق أقصى ما يستطيعه لنفسه، فلم تعد تلحق بي إساءة، وأدركت أن نفعي وضري بيد خالق فلم أعد آبه لمخلوق. للكل مني الإحسان، ومنهم ما يكون.

وأوقن بأنني الآن في عصر يوم أوشك مغربه، وكل آت قريب، ولكني لن أشغل نفسي بحزم حقائب لن أحملها في رحلة أخيرة، ولن أقلق من حساب سيكون بيد رحيم في يوم موعود، والأجل سيحتم بانتظار ومن دون فلن أنتظر. ما زال صوت أبي يملأ أذنيّ:
مشيناها خطىً كتبت علينا ** ومن كتبت عليه خطى مشاها
ومن كانت منيته بأرض ** فليس يموت بأرض سواها
كان كثيراً ما يردد هذا الشعر. ومواكب التوديع لم تعد تفاجئني ولم أعد أسير فيها مستغرِباً؛ بل صارت من تواليها مستألَفة.
كتب نجيب محفوظ ما تمنيتُ يوماً أن أكون: أخفق يا قلبي واعشق كل جميل وابْكِ بدمع غزير إذا شئت، ولكن لا تندم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.