المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى سرور Headshot

هويتنا عربية أم إسلامية أم غير ذلك .. سؤال نحتاج للإجابة عليه؟

تم النشر: تم التحديث:

كما ذكرت في تدوينة سابقة عن حاجتنا لبريسترويكا مصرية، ابدأ في هذه التدوينة بما أراه أول إعادة للبناء المصري ألا وهي الهوية، وهذه الإشكالية ظلت وما زالت محوراً لكثير من الأحاديث، ونقطة لخلافات لا تنتهي، بل كانت أشكالها ملهمة لكثير من الأعمال الفنية الجادة.

نبدأ بأن نتفق على أنه يجب تصحيح معنى الكلمة، ولست أقصد المعنى اللغوي الذي سيأخذنا إلى تعريفات مثل الصفات الخاصة الجامعة لمجموع، أو الأصل الجوهري النقي لفئة، وهذا ليس بموضوع كتابتنا اليوم.

أريد أن أتحدث عما توحي به هذه الكلمة؛ إذ إننا اعتدنا أن نعرفها على أنها تخص الماضي والأصل المكون، وهذا ما يجب تصحيحه، فالهوية يجب ألا تكون قيوداً تشدنا إلى ماضٍ ولَّى؛ بل يجب أن تكون دروباً وسبلاً تأخذنا إلى مستقبل قادم وشاسع، الفرق واضح بين الاثنين، ولا أعلم يقيناً بماذا يفيد ماذا كان عليه أسلافنا ولمَ التمسك به؟

إن المكونات الرئيسية لأي جماعة مهما كانت نقية وخالصة هي في الأصل منحدرة من تكوّن هذه المجموعة المتعددة العناصر، وذلك بيقين وجود أصل واحد للبشرية أخذ يتوسع بعد تمركز، ثم ما لبثت عناصره أن تشابكت؛ لتعطي مؤلفاً جديداً في كليته، وقديماً في تكوينه، فلا مجال إذن لتباهٍ أو تماهٍ بتراكمات زمنية أو تركيبات جغرافية.

على الباحث عن هويته أن يكون مرجعه مستقبله، وليس ماضيه، ولا يعني هذا أن نبحث عن أمة ناجحة، وننسب أنفسنا إليها بلا ذريعة، ولكن أن نحدد رؤيتنا لما سنكون عليه فيما هو آتٍ، وعليه فستكون هذه هويتنا.

تنحصر الآراء والمذاهب المخالفة في الهوية المصرية إلى خمس هي: هوية عربية، إسلامية، فرعونية، إفريقية، أو حوض بحر متوسط، سنناقش الثلاثة مذاهب الكبرى، وهي هل نحن عرب أم مسلمون أم فراعنة؟ وإن كنت لا أرى جرماً في أن نكون الثلاثة مجتمعين.

هناك من يقول إننا عرب، ولن نكون غير ذلك، محتجاً بوحدة الثقافة واللغة والجغرافيا، وهذا مردود عليه بأن اللغة التي نستخدمها الآن فعلياً هي العربية، ولكن لا يستطيع أحد أن يتعلم أي علوم مستقبلية من طب وهندسة وتكنولوجيا متقدمة إلا باستخدامه اللغة الإنكليزية بمفرداتها ومصطلحاتها؛ بل لا يستطيع أحد حضور أي مؤتمر أو محفل عالمي إلا إن كان يملك من الإنكليزية نصيباً وافراً، ولا خلاف أن العصر حاضره وآجله مربوط بالتقدم العلمي، إذن فلا يصح أن تكون لغتنا الجميلة عائقاً أمام تسلحنا بأدوات العصر، وقد يرد أحد بالقول: فلنستخدم مع غيرنا ما يروق لهم، وبيننا فلنستخدم ما يحلو لنا، وهذا ما أراه انغلاقاً وتقوقعاً لن يسمح العصر الجديد به.

هذا عن اللغة، أما الثقافة فلا جدال يطول، فقد أصبحت عالمية بفضل وسائل الاتصال والتواصل الذي بمقتضاه تخطينا مقولة العالم قرية صغيرة إلى الكون غرفة، وهذا ما أراه ينطبق على الجغرافيا أيضاً.

ننتقل إلى من يطالبون بالولاء للهوية الإسلامية بلا نقاش، ففي قولهم هي الدين الذي يجمعنا، والعروة التي توثقنا، وأسأله أولاً عن التحديد فأمامنا شيعة إيران، ووهابية السعودية، وكردية العراق وتركيا، بل وحتى الطرق السودانية، فإلى أي هؤلاء سننتمي؟ وبأيهم سنلحق؟


هذه مشكلة كبيرة، ثم نجد الإشكالية الأكبر ألا وهي ضرورة الاحتكام إلى الشرائع الإسلامية في المعاملات اليومية، وهذه النقطة تحديداً فيها بعدان: أولهما عدم اتفاق الأئمة في كثير من النقاط مثل المعاملات المادية، وأحكام التعامل مع أهل الديانات الأخرى، والبعد الثاني هو كيف سنطور ونحدث الآليات الإسلامية؛ لتواكب عجلة التطور الكونية، مع ملاحظة أن بيننا من الأئمة من يصر حتى الآن على رؤية الهلال كمقياس وحيد وشرعي لتحديد المواقيت.

ثم هناك من يقول إننا فراعنة، وهذا لا خلاف عليه كماضٍ وليس كمستقبل، فإننا في كل الأحوال لنا أصل واحد حتى وإن كان هذا الأصل منحدراً من جهات أخرى، فهذا لا يمنعه أن يكون أصلاً أصيلاً، ولكن هذا يجب ألا يتعدى كونه اعتداداً واعتزازاً بماضٍ تجاوزته الأحداث قبل أن يتجاوزه البشر.

يجب أن نستسقي هويتنا مما نؤمن به من قيم تدفعنا إلى مشرق المستقبل، إن إعلاء قيم نبيلة مثل الإنسانية والعلم والحرية لهو كفيل بإيجاد هوية مصرية للمصريين دون البحث عما يشدنا إلى ما ولَّى.

يجب ألا نحصر الهوية في ماضٍ وأسلاف؛ لأن هذا تعسف وانحراف بالقصد قبل أن يكون بحثاً وتحرياً، ولنا في غيرنا من الأمم شاهد ودليل، فالأمم تكون بما هي عليه وبما تصبو إليه، فتكون بقيمها وسماتها وليس بالأسلاف وكيف كانوا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.