المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى سرور Headshot

تحقيق مع ديك .... نص

تم النشر: تم التحديث:

بناء على الشكوى المقدمة لنا، قمنا نحن سعادة المحقق باستدعاء المشكو في حقه، وقد مثل أمامنا، وتم فتح المحضر الرسمي:

س: اذكر اسمك وسنك وعنوانك.

ج: اسمي كوكو، سني ثلاث سنوات، أسكن في حظيرة في قلب البلاد.

س: ما هو عملك.

ج: ما بشتغلش.

س: لاحظ أن هذا محضر رسمي، سأقوم برفعه إلى القيادة العليا، ولا يليق بك أن تتكلم باللغة العامية، تكلم بالعربية الفصحى.

ج: حاضر سعادتك.

س: ما قولك فيما هو منسوب إليك بأنك تطلق صياحك في أوقات مبكرة من الفجر.. فتوقظ الناس النائمة وتزعجهم.

ج: لحظة سعادة المحقق، نعم أنا أوقظ الناس، لكني لا أزعج أحداً.

س: من حرضك على ذلك.

ج: لم يحرضني أحد، إنني أنا، أنا الديك، هذه طبيعتي هذه فطرتي، هذه طبيعة الحياة، يجب أن يكون هناك من يوقظ، من ينبه، من حولي يحتاجون صياحي ولهذا أصيح، صياحي فجراً قد يكون رسالتي، أو بالأدق سبب وجودي.

س: قلت سابقاً إنك لا تعمل.

ج: ولكني أحيا بصياحي.

س: تعترف بأنك تقلق الناس في راحتهم وتوقظهم من نومهم.

ج: يا سعادة المحقق، النوم ليس راحة، النوم غفلة، الموت فقط هو الراحة، إن المتعب حقاً، يبحث عن النوم فلا يجده، أنا أوقظ الناس من غفلتهم، أي جرم في ذلك؟

س: وهل طلب الناس منك ذلك؟

ج: وهل اشتكى الناس من ذلك؟ أنا أعلم جيداً أن من شكاني ليس من استيقظ، بل شكاني من ضره يقظة الناس، من شكاني يريد أن تستمر الناس في غفلتهم.. مثله.

س: وما يضيرك أنت لو ظلوا غافلين؟

ج: لا يضرني غفلتهم، أنا أصيح فقط، فمن استيقظ فله، ومن ظل غافلاً فأيضاً له.

س: أنت.. لماذا تحاول أن توقظ الناس؟

ج: أنا لا أحاول أن أوقظ أحداً.. فقط أنا أصيح.

س: لماذا؟

ج: صياحي جزء من الحياة، أصيح.. الليل انقضى.. الفجر جاء.. الظلام انقشع.. النور بزغ.. أصيح.. أن هيا.. يوم جديد.. حياة جديدة.

س: ولماذا لا تتركهم نياماً؟

ج: فما أطال النوم عمراً.

س: أراك مثقفاً.. هل لك خلفية يسارية؟

ج: لماذا تبحثون دائماً عن الخلفية؟ لماذا تهتمون بماذا كنت ولا تهتمون بماذا سأكون؟ اهتموا بالأمامية.. هذا أفضل.

س: أجب على قدر السؤال.. هل أنت يساري؟

ج: لم يعد هناك يساريون، اليسار انتهى منذ أمد والكل يعلم ذلك إلا اليساريين، ألم أقل لك: الناس غافلون.

س: هل أنت ليبرالي؟

ج: أيضاً الليبرالية ستنتهي، كل قديم يرحل.

س: إذن لا جدال، أنت ثوري، هم من يتحدثون عن إيقاظ الناس.

ج: كما قلت يتحدثون، إنهم فقط يتحدثون، لا يستيقظون، ولا يوقظون غيرهم، فقط يتصايحون.

س: هل أنت تيار ديني.. أنت محظور.

ج: لا طبعاً.. إنهم مثلكم، لا يريدون يقظة الناس، لا يختلفون عنكم إطلاقاً، حياتهم ومكاسبهم في غفلة الناس.

س: هل لديك إذن مسبق بالصياح؟

ج: لا..

س: إذن أنت تخالف القانون.

ج: القانون الوحيد الذي التزم به هو قانون الحياة، أما قوانينكم الوضعية فلا أعلمها حتى ألتزم بها أو أخالفها، قوانينكم أنتم تضعونها لتحميكم.

س: نعم نضع القوانين لتحمينا، ولكنها تحميكم أنتم أيضاً، هل تريدنا أن نترك كل فرد، ينفذ ما يراه قانون الحياة، هل تعلم أن هناك كثيرين يرون أن قانون الحياة يلزمهم بذبحك، أنت وسلالتك كاملة، قانون الحياة يستوجب وجودنا، قانون الحياة لا يكتمل إلا بقوانيننا، لا نستطيع أن نترك كل من يريد أن يصيح، وإلا وجدنا كل من بيده سكين، يريد تنفيذ قانون الحياة بطريقته.

ج: هل تساوي بين صياحي وبين القتل؟ هل إيقاظ الناس كذبحهم؟

س: أنا لا أفعل ذلك، ولكن أنا أحمي كل الناس، هذه وظيفتي، هذه رسالتي في الحياة، لا أستطيع أن أترك كل فرد يفعل ما يظنه خيراً لغيره، الخير هو ما أراه خيراً.

ج: لكن السماء حددت الخير منذ أمد بعيد.

س: السماء.. لها ما لها، وإن كان الأمر كذلك، فلما يتصارع أصحاب الديانات المختلفة.. كل لدينه.. ولما يتقاتل أبناء الدين الواحد كل لطائفته، من يؤمن برسالات السماء، يعلم جيداً أني جزء منها.

ج: لا أستطيع تبرير ما يفعله غيري، لي عالمي ولهم عالمهم.

س: تمام.. لكل عالمه، وهذا عالمنا، نحن هنا من أجل أن نضبط إيقاع هذا العالم، نحن هنا من أجل أن نجعل كل يعيش في عالمه.. اسمعني جيداً أيها الديك، إن أردت الصياح ووجدته دورك ورسالتك كما تقول، فصح ولكن داخل عالمك، ولا تقتحم بصياحك عالم آخر، لن أمنعك من الصياح، ولكن سأمنعك أن توقظ أحداً.. سأمنعك أن تزعج أحداً.. ولا تشغل نفسك بحديث غفلة الناس، إن تحيا وهم غافلون، خير لك من أن تموت وهم أيضاً غافلون.

تمت أقواله.. وأقفل المحضر في ساعته وتاريخه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.