المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى سرور Headshot

سيادة الفيلد مارشال

تم النشر: تم التحديث:

وقف الفيلد مارشال مونتغمري يدير نظره في تعجّب من كل هذه النياشين والأوسمة التي تزدحم موشيةً ومزينةً صدور الضباط الشباب من حوله، بينما أخذ الرئيس جمال عبد الناصر يقدم له طابور مستقبليه حتى وصل إلى أن قال الرئيس مقدماً صديقه وقائد جيشه قائلاً: الفيلد مارشال عبد الحكيم عامر فعلاً صوت مونتغمري متسائلاً، وفي أي معركة نال رتبة الفيلد مارشال؟ ولثوانٍ قليلة سكت الكل، فلم يدرِ أحد جواباً، ثم علت الأصوات ساترة عجباً عند الضيف وخيبة عند المضيفين.

كان مونتغمري محقاً في سؤاله وتعجبه، فتلك الرتبة رتبة الفيلد مارشال هي أعلى وأرفع الرتب العسكرية، وهي تعادل رتبة المشير، وجرى العرف في أغلب دول العالم على ألا تعطى إلا بناءً على معركة مجيدة يخوضها القائد العسكري، ويبلي بها بلاءً عظيماً حتى لترتبط تلك الرتبة الرفيعة باسم المعركة.

أما في بلدان أخرى فلا ينال أحد هذه الرتبة إلا بأمر شعبي معتبر ومقدر، أما في أوطاننا الغالية فأغلب مَن حصل عليها وأصبح سيادة المشير لم يترك يوماً مقعده الوثير وهواء مكتبه المكيف، حتى إن بعض البلدان بها عدة قادة يحملون رتبة المشير أو الفيلد مارشال، بينما لم تخُض جيوشها معركة قط.

ولنترك ما يمزج السخرية بالخيبة؛ لنرى جانباً آخر من تلك المقولة، وفي أي معركة نال هذه الرتبة؟ لنطبقها على أنفسنا ومَن حولنا.

هذا الصديق الوفي نال تلك الرتبة في أي معركة وتلك الابنة البارة كيف صعدت إلى تلك الدرجة؟ أما رجل البر والتقوى هذا فما دليله على استحقاقه ذلك اللقب؟ ومقام الرجل الخلوق ما سبب حصره لهذا الرجل؟

نعم نحن نحتاج إلى أدلة وبراهين، نحتاج إلى معارك نخوضها؛ لتثبت لنا حقيقة تلك الألقاب المفخمة التي ننثرها على غيرنا وعلى أنفسنا، ومن باب صدق النفس ومصداقية اللسان، يجب أن ندقق في شرعية معاركنا قبل أن نقيِّم أداءنا بها.

قد يكون مسوغاً أن نقول إن الحياة ما هي إلا مواقف صغيرة متتالية مترابطة تكشف عن الاتجاه والسلوك، مما يمكننا من وضع عنوان يحمل صفة لأنفسنا أو غيرنا نتيجة ذلك، وهذا مقبول لا شكّ في وصف فعل أو توصيف حالة، أما أن يتعلق الأمر بمقام عالٍ ورتبة فخيمة، فالأمر يحتاج إلى حدث جلل ووقع عظيم نستطيع منه أن نكون منصفين فيما نوزع بسخاء الألقاب والصفات.

ما معنى أن يصفك أحدهم بالمتسامح إلا أن تكون وقفت موقفاً اختُبر به حلمك في وجه جهل غيرك، أو يقدمك أحد برجل الكرم إلا أن تكون قد جدتَ بما يصعب على غيرك.

يجب عندما نصف أحدنا بالعبقري ألا يكون ذلك نتيجة اجتياز امتحان دراسي صعب أو أداء مهمة وظيفية شاقة، بل يكون لسبق أو كشف لم يسبقه أحد فيه، وأيضاً عندما نقيِم أحدنا مقام الابن البار لا يكون ذلك برفقة صالحة لوالديه أو عناية لأخيه، بل يكون بتكريس حياته وإيثار أهله على مَن سواهم.

الصدق مع النفس والصدق مع الغير يجب أن يكونا ميزاناً ومعياراً حتى في المجاملة، فالشطط مثله مثل الشح والتهويل لا يبتعد كثيراً عن التهوين، فلا فائدة من إسباغ الصفات والمقامات العليا بما يفرغها من مضمونها ويقصيها عن مدلولها.

وقد يكون مقبولاً هذا في بعض الدرجات العلمية كوسيلة للتعريف، أو بعض المقامات الوظيفية كطريقة للتقديم والتشريف، أما عندما يتعلق الأمر بفضيلة إنسانية أو مهارات فردية، فيجب التدقيق والتمحيص، فالفضائل لها قدسيتها، والمهارات لها احترامها، وابتهال أي منهما ليس بحق، ولو من باب المجاملة.

عندما يسأل البعض مثل مونتغمري: وفي أي معركة نال هذه الرتبة؟ يجب أن يكون هناك أكثر من إجابة، هذا ما يجب أن نكون عليه أكثر من أن نزين صدورنا بنياشين وأوسمة ما أنزل الله بها من سلطان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.