المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى سرور Headshot

رسالة من الشهيد

تم النشر: تم التحديث:

ابني الحبيب.. سلام لك، وصلتني رسالتك
وفرحت بها وبك جداً.

فرحت بك؛ لأني وجدتك كما رجوتك رجلاً، واطمأنت نفسي، فأنت ستكون لأمك أمناً ولجدك متكأً ولأختك سنداً.

ولدي الحبيب.. لا أخفيك سراً كنت دوماً قلقاً من أجلك، أخاف ألا أستطيع أن أربيك كما يجب، كانت الحياة تأخذني عنك وعن أختك، كنت كغيري ينشغل بحاضره عن مستقبله، وكان المستقبل لي ليس إلا قلقاً وهاجساً، ولكنك الآن تبدو لي وكأنك جائزة القدر ومكافأة الأيام.

وفرحت برسالتك فقد كانت الدليل على رجاحة عقلك وصلابة إيمانك، فاطمأنت نفسي إلى أنه لن يسلبك أحد عقلك، ولن يلهيك فارغ عن مبدأ تعتنقه أو هدف ترومه.

تسألني عن حالي، ولا أجد لك إجابة، فما أنا فيه يستعصي على الوصف، أنا يا ولدي الحبيب في أجمل حال، ولكن لا أجد ما أستطيع أن أصفه به، فما أنا فيه فوق تصور البشر الذين ما زالوا يحلمون بجنة على قدر عقولهم، وينسجون محتوياتها بخيالاتهم، ولكن هيهات فكيف تكون جنة ونحن نستطيع تخيّلها؟ كيف يكون فردوساً ونحن نقدر على وصفه؟!

من غباء الخلق ظنهم أنهم استطاعوا أن يصلوا إلى مدى قدرات الخالق، وكانت تلك غلطتهم الثالثة بعد غلطتهم الأولى، عندما تصوروا أنهم يستطيعون أن يسلبوا الخالق حقه في محاسبة خلقه، فانبروا يحاسبون أمثالهم من البشر، فيوردون هذا الجنة، ويرمون ذاك في جهنم، ولم يكتفوا بهذا، بل ذهبوا إلى غلطتهم الثانية، فأخذوا يحللون أقدار الله؛ ليبرروا بها أحكامهم، ويضعون مقاييس دنياهم معايير لتصاريف ربهم، حتى الصحة والمرض والحياة والموت نسوا أنها أحكام العزيز وحده، وزعموا أنها من دلائل صدق تفسيراتهم، ثم ما لبثوا إن ذهبوا إلى غلطتهم الثالثة، ألا وهي عندما ظنوا أنهم يستطيعون أن يصفوا الجنة ويحددوا مقاماتها ودرجات فراديسها.

إنها الجنة يا ولدي، كيف أصف لكَ ما لم ترَ عينك وما لم تسمع أذنك وما لم يخطر في قلبك؟! إن الكريم عندما كان يذكر الجنة في كتابه كان يضع لنا آفاقاً غير محدودة؛ لنعلم أنها فوق تصورنا، ولم يضع لنا محددات لجنّته، فالكريم يتكرم بمقاييسه هو وحاشا لله أن يستطيع بشر أن يصل بخياله إلى آفاق كرم سبحانه.

إنني حتى لا أعلم كيف وصلتني رسالتك أو كيف قرأتها أو كيف أكتب لك وكيف ستصلك كتابتي.

هذا عن حالي، أما سؤالك كيف تصل أنت إليها؟ فلك عندي إجابة واحدة يقيناً فقط اطلبها تصل إليها.

ولدي الحبيب.. عندما وصلت الجنة أيقنت أن الله جعلها لمن يريدها، اطلبها بقلب مؤمن ونفس طاهر تجدها، إن طلبت الجنة سيهديك سيدك لسبيلها.

والآن لا أجد لك إلا قولاً واحداً دعني لما يشغلني، فدنياكم ليست ما يستحق أن أفكر فيه.. والسلام ختام.


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.