المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى نمرة Headshot

كيف أصبح التحدث بالعربية عاراً يجب الفرار منه؟

تم النشر: تم التحديث:

ملحوظة: التدوينة بالعامية المصرية

من خلال جولة بين عدد من المدارس الدولية، اكتشفت خللاً موجوداً في مجتمعنا، أنا مش هاتكلم هنا عن التعليم خالص، أنا هاتكلم على ظاهرة شفتها بوضوح، خلينا نتقق في البداية على أن اللغة الإنكليزية هي لغة العلم والتكنولوجيا، واللي ما يحاولش يتعلمها ويعلمها كويس لأولاده يبقى بيحرمهم من فوائد وفرص كتيرة.

أول شيء صدمني هو إنه في الـ Orientations أو الاجتماعات الكبيرة اللي بتعملها المدارس للآباء والأمهات بهدف تعريفهم بالمدرسة وخدماتها، المدرسات أو المشرفين بيتكلموا وبيشرحوا كل حاجة بالإنكليزي، والحاضرين -المصريين كلهم بلا شك- لو عايزين يسألوا بيسألوا بالإنكليزي مع إن محدش طلب منهم ده، بعض الناس كانت بتنطق بصعوبة، ومع ذلك أصروا على إنهم ما يتكلموش عربي! مع إن المشرفة اللي بتتكلم ست مصرية اسماً وشكلاً وموضوعاً، واللي بيسأل مصري حتى النخاع، واللي قاعدين يسمعوا مصريين أباً عن جد،

الموضوع لفت نظري لدرجة إني قلت يجوز فيه أجانب كتير موجودين جايين يحضروا العرض ده، لكن كل اللي عيني شافتهم كانوا مصريين عادي جداً، لماذا بحق الجحيم اتنين مصريين يكلموا بعض لغة ثانية! هل في كده في أي بلد أو كوكب أو مجرة أخرى؟ وما هي نوع الإهانة اللي هيشعر بها المتحدث باللغة العربية أو المستمع لها؟

في امتداد للمفهوم ده، في سؤال بيسألوه الآباء والأمهات، ومحدش بيستغربه أبداً، بالرغم مما يحمله في طياته من إهانة واحتقار للسائل نفسه بجانب 100 مليون مصري عايشين في هذا الجحيم الأرضي، السؤال هو "المدرسين كلهم أجانب ولا فيه مصريين؟"، والسؤال بيتسأل على طريقة "إوعى يكون في زومبيز مصريين، هاه؟"، وإجابة المدرسة غالباً بتكون في سياق إنه "ما تقلقوش معظمهم أجانب ولو فيه مصريين فعددهم قليل، ولو شفتوهم مش هاتعرفوا إنهم مصريين من كتر ما هم عاملين نفسهم أجانب"، بالرغم إني ممكن أفهم إن نية السائل سليمة،

وإنه عايز أولاده يتقنوا الإنكليزية من خلال ناطق native، لكنني مش قادر أتخيل إن ممكن أسأل مدرسة في الدنمارك مثلاً إنه هل المعلمين من الدنمارك؟! في خلل واضح، ولا شك أنه يشير إلى كارثة في ثقتنا في أنفسنا موجودة داخل عقلنا الباطن.
ده فيه مدير مدرسة كان بيتكلم في الـ presentation عربي على إنكليزي، لكن يبدو إن أحد الآباء أو الأمهات شعر بالإهانة وسأله: "هو انت ليه بتتكلم عربي؟" بمعنى ليه مش بتتكلم كله إنكليزي وليه بتأذي مسامعنا بهذا العربي الملعون! يبدو إنه فيه مصريين عنصريين، بس عنصرية من نوع خاص، عنصرية ضد هويتهم وإثنيتهم، عنصرية ضد أنفسهم.

حالة الاغتراب واحتقار الذات، سواء بشكل واع أو لا واع بالنسبة لي كافية إني أقول إننا وصلنا لأحط مرحلة ثقافية ممكن أي أمة توصلها، هزيمة حضارية مؤسفة، اللغة العربية مش مجرد وسيلة تواصل، ده هي الجزء الأكبر من هويتنا، ما هو لو تلاشت العربية، إحنا هنكون مين؟ بتكلم بجد، إيه الهوية بتاعتنا من غيرها؟ كمسلمين، العربية مش مجرد لغة، هي حروف أكثر الكتب قدسية بالنسبة لنا: القرآن، أسماؤنا وأسماء أجداد أجدادنا، علماؤنا، مخارج ألفاظنا، نجاحاتنا وسقطاتنا، تاريخنا كله بالعربية، حتى تصنيفنا الإثني مشتق منها عرب، وهي مش لغة تافهة أو مجهولة، دي سادس أكثر لغة منطوقة أو مستخدمة في العالم، وهي واحدة ضمن الست لغات الرسمية في الأمم المتحدة، وهي لغة أثرت في عديد من الثفافات واللغات زي الفارسي، الأردو، التركي، الكردي، والبوسني وكتير غيرهم، وهي لغة سامية.

سألت إحدى المدرسات عن إجادة التلاميذ للعربي، واعترفت إنه فيه مشكلة فعلاً في الموضوع ده، وإنهم بيحاولوا يركزوا أكثر على اللغة العربية، وقالت إن أحد أسباب ضعف الطلبة في العربي هو إنهم بيتكلموا مع أهاليهم في البيت بالإنكليزي! سألت طلبة في بعض المدارس عن تقييمهم لأنفسهم في العربي، لغتهم الأم، وكانت معظم ردودهم في سياق إنه "بنحاول" أو "ماما زعلانة إني مش مهتمة بالعربي" أو "لا أهتم بها"، المعضلة الأكبر إن المدارس القومية، اللي بيدرسوا كل حاجة بالعربي، بردو مش بيتعلموا عربي وأنا أعرف ناس كتير في إعدادي دلوقتي ومش بيعرفوا حتى يكتبوا أسماءهم! لا سيما أصحاب الأخطاء الإملائية الكبرى اللي فيهم مسؤولين كبار وكلنا عارفينهم.

عايز بس أأكد إني مش باحكم على حد بأي حاجة، وإني مش أحسن من حد ولا أستثني نفسي من كل ما سبق، أنا أنقل مشاهدة معينة أعتقد إنها في منتهى الخطورة وبتعكس مشكلة هوية ضاربة بجذورها في المجتمع المصري.

في بعض الدول العربية، أصبح من الطبيعي إن المواطن يتكلم فرنساوي، لغة المستعمر السابق، وبعضهم ما بيعرفش يتكلم عربي من الأساس، لدرجة إنه في بعض برامج المسابقات مثلا اللي بيشترك فيها ناس من كل الدول العربية، بعضهم لما بيحاول يتكلم عربي بيكون مخلوط بالفرنسي ولكنته صعبة لدرجة إن البرنامج بينزل ترجمة عربي على الشاشة عشان نفهم!

لاحظ إننا مش عايشين في عالم كوزموبوليتاني بلا حدود ولا ثقافات، على العكس، إحنا عايشين في عالم قومي بامتياز، حدود صارمة بين الدول، بعضها وصل لبناء أسوار عازلة، أعراق وقوميات معتزة بنفسها، وكتير منهم منغلق على نفسه ولا يقبل الآخر إلا في حدود، والتيار الفكري ده بيزداد قوة، وأفضل مثال على ده هو وصول ترامب القومي المعادي لكل ما هو أجنبي وسط تصفيق شعبوي حاد وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بالتالي ما ينفعش حضرتك تتخيل إنك لما تستغني عن العربي وتسحق هويتك إنك بكده أصبحت مواطن عالمي مؤمن بالإنسانية ولا تؤمن بالحدود والقوميات، إنت بتحاول تنصهر في ثقافة وهوية مش بتاعتك، لن تنصهر، ستبقى عربي، لكن عربي محتقر لذاته.

الأزمة دي مش إحنا بس اللي بنمر بها، ده حصل في الأندلس منذ أكثر من ألف عام لما بعض الأوروبيين كانوا بيقلدوا العرب وبيلبسوا عمة وبيقرأوا شعر، يبدو أن المهزوم يميل بالفعل إلى تقليد المنتصر، وعلى فكرة تعلمك للغة بلد معين هو لصالح البلد دي أكثر من صالحك، لأن ده بيزود احتمال شرائك لمنتجاتهم وخدماتهم، يعني مثلا حضرتك ممكن تشتري كتاب أو فيلم لو كان باللغة الإنكليزية، مع إن ممكن يكون مثيله الياباني أحسن بكتير، لكن عائق اللغة منعك، نفس الشيء إحنا بنعمله من خلال السينما والمسلسلات المصرية، اللي بتبيع في العالم العربي كله عشان معظمهم بيفهموا لكنتنا، على عكس المسلسلات الجزائرية مثلاً.

يحضرني هنا موقف، وهو موجود على الـ Youtube، وزير ألماني يتحدث في مؤتمر صحفي من داخل إحدى المدن الألمانية، وصحفي بريطاني من الـ BBC سأله سؤال بالإنكليزي وطلب منه لطفاً إنه يرد بالإنكليزية أيضاً، رد الوزير بالألمانية بصرامة وقال حرفياً: "لأن هذا المؤتمر الصحفي في ألمانيا، أرجوك بكل تفهم واحترام، كما في بريطانيا من البديهي التحدث بالإنكليزية، فكذلك هو الحال في ألمانيا، وليكون الأمر واضحاً، يمكننا أن نلتقي على هامش هذا المؤتمر في لقاء خاص ونتحدث الإنكليزية ونشرب الشاي بكل سرور، لكن نحن هنا في ألمانيا!".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.