المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى خطاب Headshot

الغربة والموت.. حين تتلاشى الفروق

تم النشر: تم التحديث:

إذا كان الموت هو انعدام الوجود، بحيث تصير غائباً عن اللحظة والمكان، فإن المعنى المرادف لهذا الانعدام هو الغربة.

غربة مفروضة
يزداد الأمر سوءاً إذا كانت الغربة رغماً عنك وعلى غير إرادة منك، وفي أوطاننا الحبيبة كم من أشياء نفعلها رغماً عنا، آلاف بل ملايين هجّروا من ديارهم بعيداً عن أوطانهم، يوم أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وصارت البدائل المتاحة اعتقالاً حتى الموت، أو قصفاً بطائرة تهدم البيت فوق رؤوس ساكنيها.

حتى في رحلة الغربة كان الموت حاضراً في كل خطوة، فوجدنا من مات جوعاً أو غرقاً أو من شدة البرد، قبل أن يصل إلى مبتغاه، رغم أن كثيرين ممن وصلوا لم يكونوا أحسن حالاً.

أنت ميت
شبه آخر بين الموت والغربة ذاك حين تغيب عن الموقف، وترد إليك الأخبار عن أهل أو إخوة غيّروا وبدّلوا وقررّوا، دون علم أو إرادة منك، حتى فيما يخصك أنت... فكلامك ليس له أثر، وإرادتك ما عادت ذات اهتمام، فالكل بات يقرر لك وعليك، فأنت لست هنا تماماً كالموت.

والحقيقة أن الغربة فاجعة يتم إدراكها على مراحل، ولا يُستكمل الوعي بها إلا بعد أن تعيشها بآلامها وحلوها ومرها.

بداية جديدة
وإذا كان الموت بداية حياة جديدة في الجنة، فقد كان لبعض المغتربين حياة جديدة، تنقطع عن مكان المولد ونطاق الصحبة والذكريات وكل شيء، كما لو أنها حياة أخرى في عالم آخر.

المضحك المبكي في الأمر أن الظلمة والمستبدين قتلوا الشوق للوطن والأرض والنَّاس، بعد أن باعوا الأرض واستعبدوا العباد، فما عادت الغربة ألماً كما كانت، وما عاد للفراق لوعة، فكل شيء تدنس وكل ذكرى باتت تتلاشى يوماً بعد يوم، كما أنها لو لم تكن أصلاً.

أسئلة المستقبل
على الجانب الآخر، وبعيداً عن الآلام الشخصية للمغترب يقف فريق على الضفة الأخرى، يحسد ويحقد على أولئك الذين نجوا وهربوا وخرجوا، تارة يقول هم يجمعون المال، وتارة أخرى يقول هم فلتوا من عذاب الاستبداد أو صعوبة المعيشة، لكن الحق يقال إن ذاك أضعف ما يشغل المغترب الذي ربما فعلاً يكون كذلك، لكن في ظروف أخرى تكون الغربة فيها بإرادة ورغبة وطلب.

أكثر ما يشغل المغترب ليس الحساد ولا الحاقدين ولا قوت اليوم ولا حتى الموت، أكثر ما يشغله هو الإجابة عن تلك الأسئلة اللعينة التي تغيب فتعود أكثر ضراوة: ماذا بعد؟ ما هي مفاجآت المستقبل؟ هل هناك أسوأ؟ وتبقى أسئلة كثيرة حول المستقبل ولياليه السود.

نعمة الحرية
الحرية هي النعمة الكبرى التي اشتراها المغترب بكل معاناته، هذا هو الثمن، ولسان حاله يقول إن وطناً بقيود ليس وطني، وإن سجناً كبيراً ليس بلدي، وإن أملاً ضائعاً ليس أنا.

رغم ذلك سمعت ورأيت من يلعن الغربة ومستعد أن يعود إلى الأسْر أو أن يبقى في الذل، ولا يتحمل عذابات الغربة، فهي كالموت.. ومَنْ منّا يطيق الموت؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.