المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى خطاب Headshot

لماذا يكرهون النقد؟

تم النشر: تم التحديث:

حين تتحول الوسائل لغايات، وتتحول المحافظة على التنظيم، أهم من الأهداف والأطر الفكرية التي نشأ من أجلها، يصعب على الفرد أن يمارس حقه في النقد، مخافة زعزعة مسلّمات الكيان، التي لا تلبث أن تدخل بالتنظيم في حالة من القداسة، يحظر على أي فرد حينها الاقتراب منه.

وللحق أن هذه القداسة لا تمارس فقط من قِبل القادة، بل يمتد الدفاع عنها إلى الأفراد أنفسهم، فتسيطر حالة من الجمود، يتعطل معها الفكر الموضوعي، وتنهار الأسس المنهجية للتقييم، ويصبح الدفاع عن الخطأ واجباً أخلاقياً وشرعياً لدى البعض.

أنا أؤمن أن أي فكرة قوية لا تخشى النقد، متى كان هذا النقد موضوعياً، أي في إطار الفكرة والتطبيق، وبعيداً عن الشخصنة، ومتى كان هذا النقد في إطاره الأخلاقي بعيداً عن الشتم والتسفيه والبذاءة.

أنا أؤمن أيضاً بأنه حين يقرر شخص أن يغلق الطريق الشرعي للنقد أو سمّه إن شئت النصح، فإنه يفتح من حيث لا يدري عشرات ومئات الطرق الأخرى، على صفحة الفيس وفي كل "بوست" وخلال كل جلسة، حتى يسمع الجميع، ويبقى وحده المصرّ على عدم السماع أو النقاش.

لكنك لن تجد أحداً يقول إنني أرفض سماع النصح، بل سيواجهك بطرق أخرى أكثر ذكاء وأقل جدوى... عنها سنتكلم:

الطريقة الأقدم: وحدة الصف

الهاجس الأكبر لدى هؤلاء هو أن يتحول النقد إلى أداة تفريق للكيان، أو شق الصف، وتفريق الكلمة.. والحل من وجهة نظرهم بإنكار وجود أي خطأ أو فشل.. والحقيقة أن قمع جهود الإصلاح الداخلي هذه هي التي تؤدي في النهاية إلى شق الصف بعد أن تضيق الجماعة بأصحابها.

الطريقة الثانية: تكلم كيف شئت

هي عكس الطريقة الأولى، فهو يتركك تتحدث كيف شئت وتنتقد بل ويسمعك في بعض الأحيان، وتقدم أوراقاً وأبحاثاً وأفكاراً واقتراحات، وفي النهاية كل شيء كما هو، وواصل أنت الحديث وحدك.

الطريقة الثالثة: كلنا مخطئون

حين تعلو موجة النقد تلجأ القيادة إلى طريقة أخرى لاحتواء الغضب، توزع من خلالها المسؤولية على الجميع، ونسو أو تناسوا أنهم هم من كان في الصدارة، هم أصحاب القرار، هم الذين قالوا إن الصورة لديهم أكمل وأوضح، وإن المعلومات لديهم والقرارات مدروسة، وإن كل ما تقوله وتنصح به معروف لديهم.. الآن لا يليق أن يتم توزيع الفشل على الجميع بالتساوي، ليس هذا عدلاً.

الطريقة الرابعة: عامله كأبيك

هذه الطريفة مشهورة لدرجة بشعة في العالم العربي يستخدمها الرؤساء والملوك والأمراء الذين صاروا بين ليلة وضحاها مثل أبيك فلا يحوز توجيه النقد لهم.. الكيانات التنظيمية تستخدم نفس التقنية، وعادة تكون بعد فشل الطريقة السابقة في توزيع الخطأ على الجميع، وتعقبها سلسلة من الاتهامات المعلبة، كأنك مريض القلب، وأنك مفتون، وصولاً إلى أنك تسعى لمكانة، وإزاحة القادة، الذين هم في مقام أبيك.

ولست أدري لماذا يتحول نقد الأفكار والسياسات إلى أزمة أخلاقية ترتبط بعقوق الوالدين؟ كما لست أدري لماذا يكون دائماً في القيادة كبار السن الذين يلعبون دور الأبناء، ألا يجوز أن يكون في هذه المراكز مَن هم في سن الأشقاء حتى لا نتهم على الأقل بالعقوق؟!
غير أن بعض المنتقدين يتجاوز بالفعل ولا يفرق بين السياسات والأشخاص، ويزداد التجاوز، حين يُصرّ الطرف الآخر في مكانه وبنفس سياساته.

الطريقة الخامسة.. هي الأذكى

طريقة ظريفة تقوم على تأجيل النقد، واعتبار أن المراجعة الآن ليس وقتها، ودعونا نتفرغ لإسقاط الانقلاب أولاً، ثم نتسامح ويعتذر بَعضُنَا لبعض.. هذا على أساس أنه قطع شوطاً كبيراً في إسقاط الانقلاب وأركانه، وكأن ثلاثة أعوام لم تمر، وهم يتراجعون ويتفرقون، ويرفضون حتى مجرد السماع لمراجعة سياسات وممارسات بين العجز والفشل أهدرت دماء الآلاف.

أخيراً.. إن كل ما ننشده استعادة العقلية المسلمة الواعية التي لا تستسلم لأطر سقطت فيها في غفوة منها، تحت شعارات رنانة لم يجن منها سوى واقع مرير يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

ليس الغرض التطاول على أحد أو النيل من أحد أو تمزيق كيان أو العبث بمبادئ أو حتى النزاع على أدوار، وإنما انضاج الوعي، والنقد إحدى طرق تنامي الوعي، التي تتساقط معها الأصنام البشرية، وتنكشف العورات، ويبرز الإنسان كما هو، لا كما عرضته وصورته المؤسسة التنظيمية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.