المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى إبراهيم إبراهيم Headshot

حول رواية باب الخروج "2"

تم النشر: تم التحديث:

نستكمل اليوم ما بدأناه في الحلقة الأولى حول قراءة رواية "نحو باب الخروج" للدكتور عزالدين شكري فشير.

الكاتب يصيب القارئ؛ إما بالحيرة أو اليأس أو القبول بالواقع مهما كانت قسوته وأخطاؤه لفداحة فاتورة التغيير، أو لتساوي النتائج وتشابه المآلات في كل الأحوال أو معظمها على أقل تقدير، وذلك رغم ثورية كاتبنا وانضمامه إلى مطالب الجماهير في التحرير. ولم يرسم طريقاً أو يشير إليه أو يترك مجالاً لبصيص أمل في نجاح الثورة دون تضحيات رهيبة، وموجات ثورية عنيفة، وضحايا فوق المائة ألف.

وقد يقول البعض إن ثورات كثيرة مرت بهذه الخطوات والتحولات القاسية، والرد بمنتهى البساطة هو: تغيّر عجلة حركة الأحداث وتسارعها عن الماضي وضرورة استيعاب الشعوب والنخب دروس التاريخ وتجارب الغير، فإن لم يكن ذلك تحقق على أرض الواقع فعلى الأقل يجب أن يشير كاتب بحجم د.فشير إليه.

وقد يقول البعض أيضاً إن الكاتب ليس من مهامه إرشاد القارئ إلى الطريق القويم والصراط المستقيم، لكن قد يُقبل هذا الرأي في الحالة العامة، أما في حالة الكاتب فالأمر يختلف؛ لكون الكاتب أستاذاً للعلوم السياسية، وشخصيته كانت واضحة تماماً في الرواية في شخص يحيى الخيِّر، الهادئ، المتردد، المتصف بكثير من السلبية.

ونستشرف من الرواية أن كاتبنا كان يتمنى أن يكون عز الدين فكري. ولنا وقفة مع فكري هذا الذي قد يكون اسمه (فكري) له رمزية بأنه يغلِّب العقل والفكر على العاطفة والجوانب الإنسانية. وأفاض الكاتب في رسم شخصية عز الدين فكري في روايته وإعجابه به رغم اختلافه معه، وقدمه نموذجاً للمناضل الثوري الباحث عن الحرية والحق والعدل و الجمال، والمتمسك بالثورة والمصرّ على تحقيق أهدافها لأبعد مدى ومهما كانت التضحيات أو المعوقات، والذي يسلك الطريق الصحيح دائماً رغم قسوته أو صعوبته، والذي كان أدهى من الجميع ووضع استراتيجية مستقبلية ناجعة من خلال العمل مع المجموعات الشبابية لصياغة ورسم المستقبل وترك الصراعات الحزبية والمعارك الانتخابية لمن انشغلوا بها لعدم جدواها أو لعلمه وتيقنه أن فداحة الطموحات الشعبية والفئوية المؤجلة لعقود، وكذلك مخططات القوى الفاعلة في الوطن، وأيضاً الصراعات والمطامع الحزبية، والثورة المضادة وتأثير القوى الإقليمية والدولية - ستفشل كل السلطات المنتخبة التي لن تستطيع مواجهة كل هذه القوى الرهيبة أو التغلب عليها مهما بذلت من جهود.

وهو ما تحقق بالفعل، وأثبتت الأحداث صوابية وبعد نظر فكري الذي كلّفته الكتلة الثورية ودفعته لمنصب وزير الداخلية ـ بعد دورات من الفشل والكوارث والنكبات ـ ليحقق المستحيلات كلها؛ بداية من كونه أول وزير داخلية مدني وليس من داخل الجهاز الشرطي، ولا يمتلك خبرات أمنية ولا يعرف تفاصيل ودهاليز وأسرار العمل الأمني.

ورغم ذلك، نجح في تحقيق الأمن باستخدام الحرس الثوري الشبابي الذي شكّله وقت انشغال الأحزاب بالمعارك الانتخابية، ونشر هذا الحرس الثوري في ربوع البلاد لتوفير الأمن ونشر الأمان، وتكوين فرق الانتشار السريع، واستطاع من خلال ذلك تركيع الجهاز الأمني وإجباره على العودة للعمل تحت إمرة الثورة.

وبذلك، استانس الوحش الكاسر المخضرم والأخطبوط العملاق الممتد والمتغلغل في كل أجهزة الدولة، وجرؤ على عقد محاكمات ثورية مفزعة وعلّق المشانق للمعارضين في الميادين وصفّى كل خصومه من جميع الأطياف السياسية، ولم يُبق على صديق قديم تولى مناصب رفيعة في أوائل الثورة، وعلق فكري صديقه الماضي على مشنقة محكمة الثورة بعدما أوعز إلى الأجهزة الأمنية بأن تبحث وتفتش في ماضيه ليتم إعدامه بتهمة العداء للثورة واستخدام النفوذ.

وهكذا، صعد فكري على سلّم وهتاف الجماهير ليصبح الحاكم بأمره في البلاد وديكتاتورها الرهيب، وحاكمها الثوري الذي حقق أهداف الثورة مهما كانت التضحيات أو ارتفعت فاتورة الدماء. كل هذا فعله أستاذ العلوم السياسية عزالدين فكري الذي كان في الماضي لا يستطيع ذبح فرخة - كما يقال في المثل العامي.

ويُبرز الكاتب، من خلال لغة الحوار مع صديقه، أن فكري سلك هذا الدرب بعدما وجد أن طريق الثورة وتحقيق أهدافها لن يمرا أبداً إلا فوق الدماء وعلى سلّم الجماجم ووسط أشلاء الضحايا، فعمل على تكسير عظام الإخوان بعدما أفاض في إلصاق كل أو معظم النقائص والتهم بهم.. ثم سحق السلفيين، "الجهاديين" بوجه خاص، بقتل 100 ألف منهم بعدما ألصق بهم كل أحداث العنف وتعطيل السياحة بسيناء دون ذكر مؤامرات الأجهزة الأمنية في استمرار إشعال الأوضاع بسيناء.

وبرر شكري على مضض قتل هؤلاء السلفيين الجهاديين - كما أشرنا إلى ذلك في المقالة الماضية، وهنا حدث الخلط لدى المشيدين بالرواية الذين قالوا إن الكاتب توقّع مجزرة للإسلاميين قبل المذابح البشعة في "رابعة" و"النهضة" وأخواتهما والتي بررها كلها شكري فشير في الواقع، وخلق لها المعاذير، وساق لها الحجج والمبررات في مقالاته على النقيض من رفضه للدماء في الرواية. والمذبحة حدثت مع تيار الإخوان بالدرجة الأولى وليس مع السلفية الجهادية كما ورد في الرواية.

وطعن كاتبنا مرات عدة في حماس وفصائل الجهاد والمقاومة الفلسطينية الإسلامية، وقضى على مطالب قائدي سيارات النقل الكبرى لتعطيلهم الطرق من خلال الرصاص والبارود أيضاً، وقتل الآلاف منهم بعدما شغل الرأي العام بقضايا أخرى واستغل ذلك الانشغال في تصفية قادة تمرد قائدي سيارات النقل، ثم انتقل إلى تأديب "الاشتراكيين الثوريين" على استحياء ودون خسائر تُذكر قياساً بالإسلاميين كعادة غالبية علمانيي وليبراليي مصر الكارهين والمعادين لكل فصائل تيار الإسلام السياسي.

وهكذا، وعلى أشلاء الضحايا، أصبح الطريق ممهداً وخالياً من كل المشاغبين من جميع الفصائل. وذكر كاتبنا أن فكري توقع أن يُقتل ورضي بذلك بعدما قضى على كل معوقات الثورة، وهو ماحدث بالفعل - الكل تكتَّل ثانيةً ضده - ليشنقوه بسلاحه الأثير "محاكمة ثورية عاجلة "، لتنطوي صفحة السفاح الذي نشتمّ منه أيضاً تحوله إلى الديكتاتور العادل "أكذوبة اليسار العربي التي اصطنعها مفكروه وقادته ويدعون الجميع للإيمان بها ويدللون عليها بزعيمهم جمال عبد الناصر - قائدهم الخالد المخلّد أبداً في خيالهم...".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.