المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى العويك Headshot

عن والدي الذي لا يقرأ

تم النشر: تم التحديث:

عندما تشعر بأن جسدك ما عاد يحتمل أن يمارس دور القطار الحديث لينقلك من عالم الى آخر، ويسعفك في تطبيب جروح كأنها السرطان تمارس فعل الانتشار داخل دماء بدلت الواقعية الحياتية لونها من أحمر الى أصفر، تقف متسائلاً ومردداً: لماذا يحدث معي أنا بالذات كل هذا؟ ألم يكن بالإمكان أن تنحرف الأقدار عني قليلاً وتختار جسداً أقوى؟ ثم تعود لإيمانك وقناعتك وإدراكك بحتمية الأمر: ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك ما كان ليصيبك.

ابحث في الكتب التي ابتعتها أيام الدراسة في الثانوية والجامعة والتي لا زلت أبتاع الكثير منها، عن فقرة او فصل يسهب فيه الكاتب الحديث عن جسد أتعبه التكرار، وعن تكرار مل من الجسد، فلا أجد إلا كتاباً واحداً كتبه أبي الذي لا يقرأ، والدي الذي ما خبر المدرسة وتفاصيلها إطلاقا، منعته الحرب الاهلية من أن يكون تلميذاً في صف دراسي، يمارس فيه الطقوس اليومية المملة، لكنه تمكن من أن يكون طالباً متفوقاً في مدرسة التجارب القاتلة، اجتاز كل الامتحانات من دون كتب ورقية، كان كتابه الوحيد عبارة عن مجموعة أحداث معاشة تشكل كل واحدة منها سلسلة من كتب الحكمة.

كان ينهاني عن شراء الكتب الورقية قائلاً: مش شاطرين إلا بالتنظير، هني بينظرو ونحنا منرجع لورا"، وكنت ألعب دور المحامي الناجح بدفاعي عن الكتاب والكتّاب معا، فأقنعه بأنها ضرورية لفهم مجريات الحياة، فأقنعه، أو هكذا كنت أظن ليتبين بعد فترة من الزمن اني لم اتمكن من التأثير به، ليس لعدم قدرتي على ذلك بل لان التجارب التي مر بها والتي اثقلته بمضامينها ومدلولاتها، كانت اقوى من محاولتي الاحتيال عليه وإقناعه بما لست مدركا كينونته.. كانت عاطفته توهمني انه اقتنع، فكان يبتسم في نهاية الحديث قائلا: "معك حق، روح اقرا وخبرني عن شو بيحكي الكتاب".

والدي لم يكن يوما صاحب شهادات جامعية ولا يهوى الجلوس في الصفوف الامامية مع كبار المثقفين، فهو ليس منهم، وهم لا يعرفونه ابدا، هو أمي كحال البيئة التي انتجته، لكنه ارادني على خلاف اخوتي الذين ما استلذوا بطريق العلم لاسباب خبروها، ان اكون "متعلما" ومن حملة الشهادات، لغاية في نفسه وللتعويض عما فاته ايام القتل الطائفي.. حققت حلم ابي وحصلت على الشهادة، واقتنع معي على مضض انه للحصول على الشهادة لابد من شراء الكتب وقراءة ما تيسر منها، لكن قناعته ليست ثابتة.

لكني عندما اتعب ويرهقني التفكير في مآلات الأمور أجد نفسي أفتح كتابه أقرأ به ثم أعود لممارسة حياتي الطبيعية. لذة والدي انه ما دخل المدرسة يوما ولم يعلم ما محتوياتها، لكنه لم يدرك أنها تسكن فيه بكل مرتكزاتها وأسسها ولولا لم تكن ذلك لاختارت أن تفعله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.