المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى السمنودي Headshot

رسالة من عاشق المقابر

تم النشر: تم التحديث:

تحتاج النفس البشرية للمراقبة والمراجعة بصفة مستمرة؛ لأنها دائماً تميل ناحية الشر، ولكن الحياة تأخذنا في دوامات البحث عن الرزق والزواج وتربية الأبناء، وننسى محاسبتها، ولكن يمر الإنسان بمواقف صعبة تجبره على مراجعة نفسه واختياراته.

ومن أهم هذه الأحداث فقدان الأهل والأحبة، فتبدأ صلتنا بالمقابر تزداد كلما ضمت المزيد من الأحبة، وهذه رسالة من عاشق المقابر:

عندما وقفت أمام المقابر اعتدلت ونظرت طويلاً في صمت، وضربات قلبي تتسارع ليس خوفاً ولكن شوقاً لمن أحبهم، ولكن تحت التراب مثواهم، كانت الحياة تجمعنا، والآمال وأحلام اليقظة تحرك مشاعرنا شوقاً لِغَد أفضل، ولكن جاء الغد فافترقنا، فالموت حلّ علينا ضيفاً غير مرحب به، ولكنه يأتي ويذهب بلا استئذان، والنتيجة معروفة دائماً، نذهب للمقابر ثم نعود، وقد زاد رصيدنا من الحب فيها، وننتظر مَن يا ترى سيرحل في الغد القريب!

في الماضي عندما كنت أقف أمام المقابر أشعر بالخوف في أعماقي، لا يراه أحد سواي، أما الآن أشعر بالسعادة تغمرني كلية، ولا أجد مكاناً للوحدة التي تسيطر على مشاعري يومياً مع الأحياء، هل لأن ذكرياتي مع الموتى صارت أكثر من أحلامي مع الأحياء، أم لأن قلبي اطمأن بقربه من الله فاختار الآخرة دار الخلود وترك الناس والهوى والأهداف والأحلام؟

لا أخفي أن الدنيا لعبت بي كثيراً ونار الشهوة أكلت أوقاتي والآمال البعيدة سرقت عمري، ولكني أجد في رحمة الله منفذاً للمغفرة والقبول مرة بعد أخرى.

حققت الكثير من أهدافي، ولكن مع نهاية كل هدف يبدأ عذاب لا نهاية له عكس ما كنت أتوقع من سعادة دائمة حققت أعلى الدرجات التحقت بأرقى الكليات عملت في أعظم المؤسسات، ولكن لم أجد السعادة في ذلك، نعم لا أنكر أنني وجدت المال والسلطة المحدودة، ومكانة مميزة في كل مكان أذهب إليه، ولكن لم أجد السعادة إلا في الوقت الذي تركت فيه كل هذا، واتجهت إلى الله مخلصاً وداعياً بأن ينجني من نفس وشرورها وآمالها البائسة الراحلة، وتحدثت مع الله في سجود طويل بعد استغفار وحمد للنعم، اشتكيت له نفسي الأمارة بالسوء، فشعرت بالنفس المطمئنة، وهي تغمرني في لحظات كانت هي الأجمل في حياتي أجمل من الألقاب والآمال الزائفة الفانية أجمل من الجمال نفسه، ومن السعادة التي يضيع العمر في البحث عنها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.