المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى السمنودي Headshot

حوار مع صديقي ويلسون

تم النشر: تم التحديث:

أنت اسمك ويلسون، وأنا مَن صنعك بالصدفة لأتكلم معك، أتعرف يا ويلسون.. رغم صمتك الدائم أني أشعر بأنك أكثر مَن يفهمني على الأرض. أعرف أنك جماد لا تسمع ولا ترى، ولكنك تعطيني فرصة لأخطئ وأعيد تصحيح أفكاري ولا تقاطعني، على عكس البشر، فصارحتك بكل شيء.

نعم أنت الآن تعرفني أكثر من نفسي، هل ستذهب معي لبلدي حيث تعيش حبيبتي؟ لا، لماذا يا ويلسون؟ أنت ستتخلى عني مثل البشر، أنا أثق فيك وأطمئن إليك، ولن أتركك وحدك هنا، ولكن هل لو عدت ووجدت حبيبتي سوف أستطيع التحدث إليك؟ لست أدرى ماذا أفعل، هل أنت الأفضل أم هي؟ نعم هي تسمعني وترد وتجادل وأحياناً نتشاجر، ولكن كل شيء معها ممتع؟ ولكني لا أصل إلى حقيقتي معها، هو مجرد حب هرمونات تتحكم في رغباتي وشهواتي، فلا أجد مجالاً للبحث بعقلي عن نفسي وعن الله والكون والهدف من وجودي. أما معك يا ويلسون فلا مجال للهرمونات التي تضيع الوقت وتغيب العقل تماماً مثل الكحول.

أجد معك عقلي يعمل، يحلل ويفسر، ويخرج بنتائج مثل الفلاسفة، أنا معك فيلسوف يا ويلسون! صدقني أنا أتجرد من كل شيء، أنظر للوجود بشكل آخر، عرفت الله، عرفت سر وجودي هنا، لذلك سوف أعود وسيكتب الله لي النجاة لأحقق ما تعلمته معك يا ويلسون، فهل سيكتب الله لي العودة معك؟ ولو عدتُ هل سأصمد أمام عواصف الهرمونات التي تنبع مني باسم الحب؟ لست أدرى، ولكن أصبحت على يقين أن الله يقدر لي الخير دائماً، حتى وأنا هنا على الجزيرة البعيدة وحدي.

لا آسف يا ويلسون، لستُ وحيداً في وجودك، تعرف ذلك، ولكننا البشر فقط ننظر لهذا الكون على أنه ملكنا نحن، ولا نعطي أيَّ اعتبار للجماد والحيوان، نحن فقط نسعى لتدمير كل شيء من أجل ما نسميه تقدم وحضارة، والحقيقة أنها الخسارة الفادحة، نعم يا ويلسون.

دعني أخبرك بشيء، سوف يندم هذا الإنسان المغرور الذي أثبت بعلمه أنه لا يمثل شيئاً في هذا الكون، فليس كما كان يعتقد أنه مركز الكون، فالأرض لا تمثل شيئاً بالنسبة لباقي المجرات، وعندما اكتشف نظرية الفوضى أدرك أنه لا يتحكم في أي شيء في هذا الكون.

إذن، لماذا هذا الغرور؟ هل لأنه الكائن الوحيد العاقل في الكون؟ ولكن لو كان عاقلاً لحافظ على الأرض، فهو يعرف أنه لا توجد حياة إلا على كوكب الأرض؟ أعرف يا ويلسون أننا نحاول أن نكتشف حياة في كواكب أخرى، لكن حتى الآن لم نفلح في اكتشاف أي مؤشرات تدل على وجود حياة خارج كوكبنا الجميل.

سوف تأتي معي يا ويلسون لتستمتع بحياة جميلة! لا يا ويلسون حتى لا تندم لو كتب الله لنا النجاة من البحر هناك زحام وتلوث ومجرمون وسرقة وغش، ولكن هناك بعض من العدل، وقليل من الإيمان، ولكن اليقين نادر لا أحد يصل لليقين، لذلك كل الناس تخدع بسهولة، ويصدقون السحرة والسياسيين والنصابين!

لا تتعجب يا ويلسون، إنهم يصدقون من ينصب عليهم حتى يريحوا ضمائرهم، ويخدعون أنفسهم بأنفسهم. سوف تستمتع، ولكنك ستحزن أكثر يا عزيزي ويلسون، حان وقت الرحيل.

وحمل ويلسون في يده ووضعه على المركب وانطلق في عرض البحر كي يعود للحياة مرة أخرى، ليكمل رسالته الأخيرة في الحياة بنظرة جديدة اكتشفها من خلال الحديث مع ويلسون، واستمرت الرحلة لأيام طويلة في البحر واليأس يتسرب إلى قلبه كما يضرب الماء مركبه من كل الجوانب، ونام وهو في حالة غلب فيها اليأس على الرجاء، وكان الموج عالياً فضرب المركب بشدة، وأخذ الماء ويلسون معه إلى البحر، ليسرق إكسير الحياة من صاحبنا، لن يجعله خالداً، ولكنه كشف له حقائق لو عاش أضعاف عمره ما وصل إليها.

ويستيقظ ويبحث عن ويلسون ليشكو له اليأس الذي ضرب قلبه فلم يجده، فينحي اليأس جانباً ويصرخ.. ويلسون، وينظر في كل اتجاه كالأم الثكلى.. ويلسون أين أنت؟ وتقع عينه على ويلسون في البحر، يبتعد عن المركب كأنه يرفض العودة معه بعد ما عرفه عن القسوة التي ملأت حياة البشر.

فيأخذ صاحبنا الحبل في يده حتى لا يفقد المركب، ويرمي بنفسه في الماء ويسبح تجاه ويلسون متوسلاً إليه أن يعود، ولكن ويلسون لا يسمع ويستمر في الهروب مع الماء، حتى أصبح صديقنا غير قادر على سحب المركب والسباحة تجاه ويلسون فيبكي متأسفاً لويلسون، قائلاً: أعتذر لك يا ويلسون، لم أعد قادراً، وهنا ينظر نظرة الوداع لويلسون، ويتذكر وعده له بأنه سوف يعود ليكمل رسالته التي تعلمها معه على الجزيرة.

ويعود للمركب ويكمل المسيرة حتى تعثر عليه سفينة وتأخذه إلى وطنه، ويستقبله الجميع في عجب شديد هل يعود الموتى؟ ثم يكتشف أن زوجته تزوجت من رجل آخر وأنجبت بنتاً.

فيعود صديقنا إلى بيته ويجلس ويتحدث إلى نفسه طويلاً، أنت فقدت ويلسون في البحر، وزوجتك في البر، ماذا تفعل؟ هل الحياة سيكون لها معنى في غيابهما؟ هل أستطيع أن أكمل رسالتي من دون من أحبهم؟ فعاد يقلب ذاكرته لعله يتذكر بعضاً من الحكمة التي وُلدت فيه على الجزيرة، فيتذكر وعده لويلسون أنه اكتشف معنى جديداً للحياة على الجزيرة، وإصراره على العودة حتى يغير الكثير في حياته مع الناس ويقول أنت عشت 1500 يوم دون أصدقاء أو حتى أحباب، دون أي ترفيه.

أما الآن فأنا أستطيع أن أنزل الشارع وأقابل ويلسون، يسمعني ويرد عليَّ، وسوف أقابل حباً جديداً، فلن أتوقف عند من تركني ولم يعد لي، فالأشخاص والأماكن، حتى من نُحب لهم أوقات محددة في حياة كل منا، ثم يرحلون، فلا تتوقف وتبحث عنهم فتضيع حياتك في العبث، سوف تقابل من يستحق حبك وتستحق الحياة إلى جانبه، ولا تجعل اليأس يتسرب إلى قلبك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.