المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى السمنودي Headshot

صناعة الدواء تجارية أم إنسانية؟

تم النشر: تم التحديث:

قضى الدكتور إسماعيل السعيد سنوات طويلة في معمله في كلية الصيدلة جامعة الحرية وسط أبحاث لا تنتهي، ولكن كان بحثه الحقيقي والأهم بأن يُجيب عن السؤال الذي يطرحه على نفسه باستمرار: كي يدرك المعنى الحقيقي لحياته ويكتشف الحقيقة؟ مَن السبب في وصولنا لهذه الحالة البائسة في كل المجالات عامة، وفِي صناعة الدواء خاصة؟

وكان الدكتور بارعاً جداً في البحث العلمي، فكل عام يسجل براءة اختراع أو برائتين وأحياناً ثلاثاً في حدود الإمكانات المتاحة، فهو يعمل كأي دكتور في كلية الصيدلة، ولكن الفرق كبير جداً فهو لم يتمرد على الإمكانات البسيطة، فلم يقرر كما يفعل معظمهم بأن يهاجر إلى بلدة تهتم بالبحث العلمي وتقدر العلماء، بل استغل المواد البسيطة في اختراع أدوية رخيصة وفعالة، ومع ذلك لم يكن وصل لإجابة ترضيه عن سؤاله لنفسه عن نفسه مَن أنا؟ واستمر في البحث عن أدوية جديدة وفريدة وبسيطة جداً، ولو أنتجتها الشركات أو الحكومة لساعدت الكثير؛ لأن أسعارها ستكون في متناول الفقراء، ولكن لا أحد يراه، فتزداد رغبته في الإجابة عن سؤاله مَن أنا؟

وتمر الأيام على الدكتور إسماعيل متشابهة؛ آلامه تتكرر كل يوم بانتظام، وعجزه أمام الأمراض يزداد، ولا أحد يساعده في تنفيذ أفكاره؛ ليصبح لدينا دواء خاص بنا لجميع الأمراض، وبحث علمي قوي يوفر شفاء للأمراض المنتشرة في بلدنا، فهو يؤمن كثيراً بأن من لا يملك دواءه لا يملك حريته، وقبل كل ذلك أن نكون قادرين على تخريج صيدلي مؤهل لخدمة أهل وطنه، ولكن لا أحد يسمع له حتى جاء عام 2050؛ حيث تم اختياره من قِبَل منظمة أميركية كصاحب أفضل براءات اختراع في العلوم الصيدلية، وتم إرسال مندوب عن المنظمة ليسلمه الجائزة مع شهادة تقدير، وفي حضور السفير الأميركي في فندق الكرامة، وبحضور وزير صحتنا قام الدكتور إسماعيل ليلقي كلمته بعد تسلّم الجائزة، فشكر الجميع وفريق عمله في الكلية وتلاميذه أكثر مَن يؤمنون به، وقرر أن يعرف نفسه للحضور فقال:
أنا.. أنا مَن صنع الدواء، ورفض أن يكون سبباً في علاج أعز أصدقائه وأحبابه، ولم يقدر مسكني على إسكات آلامهم حتى اللحظات الأخيرة قبل الموت، فتمنيت أن أعود لذاكرة الطفولة لعلي أنسى نظرات الاستغاثة في أعينهم وعجزي، ومرت الأيام فأصبحت لا أبالي من كثرة تكرار المواقف مع أهلي وأحبتي؟ أم فقدت الأمل في دوائي كما فقدته في بلدي؟

أنا مَن صنع الدواء ليعالج الظالمين، فكان سبباً في بقائهم فترات أطول على قيد الحياة؛ ليقتلوا ويفسدوا في الأرض، وأنا غير قادر على منع الدواء عنهم، فقسمي يجبرني على أن أقدم الدواء للجميع، لا فرق بين جنس ولون حتى العدو، لا بد أن أقدم له دوائي.

أنا مَن صنع الدواء ليدمنه الشباب فيكون سبباً في ضياع العقول التي تحمل لنا المستقبل والنجاة، فقالوا هم من أساءوا الاستخدام وإننا ملائكة لم ندفعهم بجهلنا وسوء تربيتنا وإدارتنا إلى الهلاك، ولكن في النهاية صرت لا أبالي، أو أصبحت مثلهم ألقي باللوم على الشباب!

أنا مَن صنع الدواء فأرسلوه إلى الفقراء، وكنا قد كتبنا عليه يؤخذ بعد الأكل، فأصبح لا قيمة له؛ لأنهم لا يملكون طعاماً في الأساس.

أنا مَن صنع الدواء، وسيطرت عليه الشركات، فكان سعره عالياً، فعجزنا عن علاج الكثير بسبب فقرهم، فبكى الابن؛ لأنه لم يقدر على شراء علاج والده، وحزن الأب فمات ليس لأنه لم يأخذ العلاج، ولكن حزناً على العجز الذي وجده في عين ابنه المسكين، ولم يقدر الأب على شراء علاج ابنه، فمات الابن، وندم الأب، بقيت حياته على ذنب لم يرتكبه، وصديقي الطبيب يشاهد في صمت وألم، وتمنى الموت قبل أن يرى تلك المشاهد.

السادة القائمين على تصنيع وتوزيع وتسعير الأدوية في العالم.. راجعوا أسعار الأدوية مرة أخرى، لعلكم تجدون فرصة لتخفيف آلام الفقراء حول العالم، ولكن قبل كل شيء راجعوا ضمائركم؛ لعلكم تدركون أن صناعة الدواء صناعة إنسانية قبل أن تكون تجارية.

* الدكتور إسماعيل السعيد هو شخصية وهمية لا صلة لها بالواقع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.