المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى السمان Headshot

على الدم نياما

تم النشر: تم التحديث:

في زيارة سرية علنية للواء على المملوك -رئيس جهاز الأمن القومي السوري- إلى الرياض؛ التقى خلالها الأمير محمد بن سلمان وزير الدفاع السعودي، وبغض النظر عن تفاصيل الزيارة وما قيل عن عتب من جانب اللواء وتفهم من جانب الأمير وتوافق على صيغة للخروج من الوضع الراهن: يعنيني هنا هذا الاتساق السعودي مع الذات، فالسعودية تعرف تحديدًا ماذا تريد بلا أي مزايدات من أي دائرة سعودية في الداخل أو الخارج على الرؤية الموحدة لدور المملكة في المنطقة، وهو ما يستدعى هذا الثقل الواضح ليد المملكة في السياسة الخارجية، وهو أمر بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع مضامينه ورؤاه يستحق الإعجاب، خصوصًا إذا ما قيس بمواقف أطراف أخرى -مصر مثلًا- لا تمتلك السعودية إلا نذرًا يسيرًا من أوراق الضغط والنفوذ والثقل الاستراتيجي؛ فالسعودية بسكانها الذين تدور أعدادهم حول العشرين مليونًا وبتركيبة سكانية متفجرة -الشيعة مثلًا لديهم تناقض رئيس مع السعودية كدولة وعند أول فرصة تسنح سيعلنون استقلالهم وانضمامهم إلى إيران- وقوات مسلحة لا تعمل نظام التجنيد الإجباري ومخاطر إقليمية؛ استطاعت فقط وعبر ما لديها من فوائض أن تصبح لاعبًا رئيسًا في كل ملفات المنطقة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى أثيوبيا وتحدت قوى كبرى في الإقليم كإيران تمتلك من أسباب القوة الكثير، وأخضعت قوى أخرى كالعراق، وهمشت قوى ثالثة كمصر، ويكفي هنا متابعة تسلسل الأحداث خلال الأسبوع الحالي لندرك بوضوح كيف هي الصورة.

في البداية كان التسريب الذي خرجت به الصانداي تايمز على لسان مراسلتها هالة جابر المسئولة عن ملف الشرق الأوسط ثم التأكيد الذي جاء عبر صحيفة الأخبار اللبنانية المقربة من سورية وحزب الله والتي نشرت أيضًا مقتطفات من محضر اللقاء، ثم توالت في عقب هذا اللقاء التبعات تترى والتي تمثلت في زيارة وزير الدفاع السعودي بن سلمان إلى موسكو ثم إلى مصر، وما تبعه من تعريج كيري على القاهرة لحضور جلسات الحوار (الأمريكي - المصري) والذي عاد ليلتئم بعد توقف دام لست سنوات، ليقطع الوزير كيري زيارته إلى مصر ويطير مسرعًا إلى الدوحة على إثر مكالمة من السفيرة آن باترسون مساعدة وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط -سفيرة سابقة لدى مصر- لحضور اجتماع ثلاثي يجمعه بوزير الخارجية الروسي سيرجى لافروف ووزير الخارجية السعودي عادل الجبير سيحدد مصير ملفات ومسار أزمات شغلت المنطقة لسنوات خلت، وتحديدًا الملفين السوري واليمنى -يلاحظ بالأمس تصريحات روحاني للتلفزيون الإيراني بأن الاتفاق النووي سيفتح الباب لتسويات في ملفات كثيرة منها السوري واليمني- والذي هو بطور الانعقاد حال كتابتي هذه السطور، وهو ما كنا نتمناه ونلح عليه طيلة شهور، بينا القيادة في القاهرة والتي ترى نفسها أقل كثيرًا من أي محاولة للفعل أو تغيير مسار الأمور، وبلا أي رؤية أو أجندة تدير عبرها هذا التغيير على فرض أنها دفعت باتجاهه وصممت عليه. وأذيع هنا خبر لم يتسنَّ لي التأكد من صحته عبر مصدر مستقل حول مقابلة أخرى سرية جرت الربيع الماضي في القاهرة، ويبدو أن جميع الأطراف حرصت على عدم إذاعة خبرها وجمعت السيسي بمساعد رئيس الأركان السوري وجاءت وقتها على وقع سقوط مدينة إدلب -ومن بعدها جسر الشغور- بيد تنظيم الدولة الإسلامية والأوضاع العسكرية المعقدة التي كان يقاسياها الجيش العربي السوري آنذاك؛ حيث طلب الرجل الإذن بالحضور إلى القاهرة ومقابلة الرئيس فأذن له وبالفعل التقاه -حسب مصادر غير رسمية- ودار اللقاء بينهما على طريقة المونولوج، حيث طفق الجنرال السوري يذكر الرئيس المصري بالعروبة والوحدة والتاريخ المشترك ويلخص حجم المخاطر التي تحيط بسورية ومن ثم مصر وحتى استيأس الطالب فإذا به وبعد أن انتصب واقفًا يهم بالمغادرة يسأل الرئيس: هل نستطيع الاعتماد على أي دعم أو مساندة قد تقدمها القاهرة فأجابه السيسي قائلًا: "إن شاء الله خير، ربنا معاكم"!

الشاهد من القصتين بسيط وواضح ففي الوقت الذي يراقص فيه الشجعان ملكة جمال الحفل لن يبقى لغيرهم سوى صداع ما بعد الشراب.